الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٧قنطرة التوبة
أما بعد
177
قلما كان شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان، وأنه قيد يمنع الإنسان
من المسارعة إلى خدمة الرحمن ويقسي قلبه حتى لا تؤثر فيه زواجر القرآن، وكانت التوبة حياة للقلوب بعد موتها بالإصرار على الذنوب وطهارة لها بعد نجاستها بأقذار العيوب. وجب علينا أن نبين فضيلة التوبة وحقيقتها ونوضح شروطها التي لا تتم إلا بها، فتشتمل هذه القنطرة على خمسة أبواب:
التوفيق.
الأول منها: في فضل التوبة وبيان وجوبها.
والثاني: فيما عنه التوبة وهو الذنوب على اختلاف صفاتها.
والثالث: في شروط التوبة التي لا تقبل إلا بها.
والرابع: في بيان أقسام التائبين وفي دوام التوبة.
والخامس: في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار وبالله
الباب الأول
في فضل التوبة ووجوبها
قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعا) (1) وهذا أمر على العموم.
وقال الله تعالى: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوح) (2). أي خالصة عن الشوائب / مأخوذ [219/ب]
من النصح.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب المرء ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
وعن
معاذ بن جبل، وأبي بكر بن كعب رضي الله عنهما مثل ذلك. قال: وسئل ابن عباس عنها فقال: التوبة النصوح أن يذنب الرجل الذنب، ثم يندم فيتوب منه، ولا يحدث نفسه بالرجوع إليه حتى يموت. قال: فإن عاد إلى الذنب عاد إلى التوبة وأجمع أنه عزم على أن لا يعود فيه ويندم على ما أتى، فمن كان كذلك كانت توبته توبة نصوحاً. وقال الله تعالى:
(1) سورة النور الآية: 31. (2) سورة التحريم الآية: 8.
قناطر الخيرات ج/ 2 م/ 12