الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٤184
قنطرة التوبة
ولكن نشير إلى منابعها من أخلاق الإنسان على ما ذكره الغزالي في كتابه. فنقول: إن مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات مركوزة في فطرة الإنسان: إحداها: صفة ربوبية وتقتضي من الإنسان النزوع والتشبه بصفات الرب جل جلاله وذلك كالكبر، والفخر والجبروت وحب المدح والثناء والعز، والغنى، وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، وهذه الصفة تنبعث (1) منها ذنوب كثيرة مهلكات وهي كالأمهات لأكثر المعاصي
(2)
والثانية: صفة شيطانية وهي التي ينبعث (3) منها الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر
بالفساد والمنكر، ويدخل فيها الغش، والمكر والحقد والنفاق، والدعوة إلى البدع، والضلال، وإضمار السوء للناس، وأشباه ذلك (4).
(4)
والثالثة: صفة بهيمية وهي الشهوة ومنها ينبعث الشره والتكالب على الدنيا، والحرص على قضاء شهوة الفرج والبطن ومنه يثور المنكر والفحشاء من الزنا، واللواط، والسرقة، وأكل أموال الأيتام، وارتكاب الآثام في جمع الحطام لأجل الشهوات (5).
والرابعة: صفة سبعية: ومنها ينبعث الغضب والحقد والجرأة، والتهجم على الناس 2201/ب/ بالضرب والشتم والقتل، واستهلاك الأموال (6)، وتمزيق الأعراض، وأشباه ذلك. وإنما كانت هذه الصفات مركوزة في الإنسان؛ لأن طينته معجونة من أربعة أشياء: من اليبوسة، والرطوبة، والحرارة والبرودة، وذلك أنه خلق من تراب وماء ثم جعل فيه نفس وروح، فيبوسته من التراب، ورطوبته من الماء وحرارته من النفس وبرودته من الروح، فثارت من هذه الطبائع المختلفة أخلاق غير متفقة كما قدمنا.
وقد يقال في كتاب الطب وما من أحد إلا وفيه من كل طبيعة وسوء غريزة، وإنما التفاضل بين الناس في مقابلة الطبائع السوء بأضدادها، وأما أن يسلم أحد من أن لا يكون فيه شيء منها فلا ولكن الرجل القوي الحليم العاقل يغلبها بالقمع لها بإذن الله تعالى؛ فكلما
(1) في الإحياء: يتشعب. (2) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (15/ 4) بنصه.
(3) في الإحياء: يتشعب.
(4) راجع المصدر السابق (15/ 4، 16). (5) راجع المصدر السابق وكل هذا بنصه فيه. (6) راجع المصدر السابق كل هذا بنصه فيه.