الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٤204
الذنوب
قنطرة التوبة
الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب فيفارقها عمداً لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعة، وتاركاً جملة من القدرة والشهوة، وإنما قهرته هذه الشهوة الواحدة، وهو عند الفراغ يتندم عليه ويقول يا ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها، لكنه تسول له نفسه، ويسوق لذلك التوبة، فهذا إذا كان الذنوب كبير فقد حبط عمله وإن كانت صغيرة أصر عليها [1/ 247] فقد هلك بالإصرار / ولم يبادر إلى التوبة والاستغفار لكنه تمادى على التسويف للتوبة، ويخشى أن يلقى الله تعالى قبل النزوع عن الخطيئة، فهذا هو التمادي الذي اتفق عليه المسلمون أنه من أهل الخزي والعقوبة إن اختطف قبل التوبة، وعلق أمره أهل الخلاف وحكمه على مشيئة الله، ولا يقطعون فيه بالتوبة ولا بالعقوبة ويشبه أن يكون هذا حال إخوة يوسف عليه السلام حين: قالوا: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ أَطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالحين) (1) أي تائبين والله أعلم (2).
(2)
الطبقة الرابعة: أن يتوب ويمضي على الاستقامة مدة ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة والتأسف على ارتكاب خطيئة بل ينهمك انهماك الغافل
في اتباع شهوته.
فهذا جملة من المصرين؛ لأن الفرق بين المتمادي والمصر أن المتمادي لم يعتقد أن يلقى الله تعالى على غير توبة ولكنه يرجوها يوماً ما، والمصر هو الذي عزم أن يلقى الله تعالى بغير توبة وكلاهما عند المسلمين هالكان، والمصر أعظم في القياس، وإن كان المتمادي مصراً أيضاً بظاهر اللغة؛ لأن الإصرار على الشيء التمادي عليه، وقد قال عليه السلام: «هلك المصرون (3). فعم ولم يخص والله أعلم (4).
الباب الخامس
في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار
اعلم أن السبب الباعث على التوبة هو الإيمان بأصل الشريعة، ومعناها: هو
(1) سورة يوسف الآية: 9.
(2) راجع في هذه الطبقة الإحياء (44/ 4، 45) وهي أوسع مما هنا.
(3) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير (204/ 4).
(4) ذكر هذه الطبقة أيضاً الغزالي بأوسع مما هنا (45/ 4، 46).
أن يعلم