قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٥

قنطرة التوبة

205

الإنسان علماً يقيناً أن للسعادة في الآخرة سبباً وهو الطاعة، وللشقاوة سبباً وهو المعصية،

ويعلم أنه لا بد من دليل يدله على فعل الطاعة وترك المعصية وهو الرسول عليه السلام، ويعتقد أن كل ما يقوله الرسول عليه السلام هو حق وصدق لا خلل فيه / ولا كذب. فإذا [248/ب] اعتقد ما قلنا فليلق سمعه إلى الآيات والأخبار المشتملة على الترغيب في التقوى، والتحذير من الذنوب واتباع الهوى وليصدق بجميع ذلك تصديقاً لا يخالطه شك، وليكثر التفكر فيه حتى ينبعث منه الخوف الذي يقوى به على الصبر، وليكن أكثر استماعه إلى الآيات المشتملة على الذنوب التي ارتكبها ثم إلى الآيات التي تدله على الصبر على تركها. ثم العلم بكيفية تكفير ما سبق منها، وهذه علوم يختص بها أطباء الدين وهم العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام، والعاصي إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب وهو العالم، وإن كان لا يدري أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم الذي شاهد ذلك منه أن يعرفه ذلك وينكره عليه.

بل لا ينبغي له أن يصبر إلى أن يُسأل عنه، لكنه يتصدر لدعوة الناس وإرشادهم اقتداء بالأنبياء عليهم السلام الذين يطلبون الناس واحداً واحداً في الإبتداء ويرشدونهم إلى طريق الاهتداء؛ لأن مريض القلب بالجهل والذنوب لا يعرف مرضه كما أن الذي ظهر على وجهه برص ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره، وهذا فرض عين على العلماء، فإن العلماء لا يولدون إلا جهالاً فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع؛ فالدنيا دار مرض إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم ومرض القلب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل: إحداهن: أن المريض فيه لا يدري أنه مريض لاستيلاء الجهل عليه.

الثانية: أن عقوبته غير مشاهدة في الدنيا، بخلاف مرض البدن؛ فإن عاقبته موت تنفر منه النفوس وما بعد الموت غير، مشاهد فقَلَّت النفرة عن الذنوب، وإن علمها مرتكبها فلذلك تراه يتكل على فضل الله ويجتهد في علاج مرض البدن من غير إتكال.

الثالثة: فقد الطبيب؛ فإن الأطباء هم العلماء وقد / غلب عليهم اليوم الداء المهلك الذي [249/ب]

هو حب الدنيا، فلم يقدروا على تحذير الخلق منه؛ خوفاً من أن يقال لهم: ما بالكم تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عمّ الداء، وعظم الوباء، وانقطع الدواء، وهلك الخلق لفقد الأطباء، بل اشتغال الأطباء بفنون الإغواء، فصاروا فتنة على الخلق إلا من عصمة الله منهم وقليل ما هم، فَلَيَّتَهُم إذ لم ينصحوا، ولم يصلحوا، لم يغشوا، ولم يفسدوا، والله نسأله السلامة والتوفيق وأنّى نجدهما بغير سلوك الطريق.