الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٦206
قنطرة التوبة
وأما كيفية العلاج في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على التوبة من الذنوب فذلك أمر يتسع شرحه ولا يمكن استقصاءه ولكنا نشير إلى أربعة أنواع. النافعة في ترك المعاصي لمن
سبق له التوفيق.
هي
النوع الأول: أن يعظه العالم الذي هو من أهل الدين، ويخوفه بما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين وينذره بما ورد من الأحاديث وآثار الصالحين مثل قول النبي عليه السلام: ما من يوم طلع فجره، ولا ليلة غاب، شفقها إلا وملكان متجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، ويقول الآخر: يا ليتهم إذ خلقوا عملوا بما علموا (1). وفي حديث آخر: «تجالسوا فتذاكروا ما عملوا، فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا
بما علموا تابوا مما عملوا».
وقال بعض السلف: إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال وهو أمين عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها. وقال بعضهم: ما من عبد يعصي الله إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به واستأذن من السماء أن / يسقط عليه كسفاً. فيقول الله تعالى للأرض والسماء: كُفّا عن عبدي وأمهلاه، فإنكما لم تخلقاه، ولو خلقتماه لرحمتماه لعله يتوب إليّ فاغفر له لعله يستبدل صالحاً
[1/ 250] سقفه
فأبدله له حسنات.
قال: فذلك معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمْوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) (2) الآية.
والأخبار والآثار في ذم العاصيين ومدح التائبين كثيرة لا تحصى، فينبغي أن يستكثر الوعاظ منها على العاصي الجاهل حتى يرق قلبه لعله يوفق للتوبة على يديه، فيكون له أجر سبعين صديقاً كما ورد في الخبر والله أعلم
(3)
النوع الثاني: حكايات الأنبياء عليهم السلام وغيرهم من السلف الماضين وما جرى
(1) غريب لم أجده هكذا، وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردذوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف: إن الله ملكاً ينادي في كل ليلة: أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده ..... الحديث وفيه: «ليت الخلائق
لم يخلقوا، وإذ خلقوا علموا لماذا خلقوا فتجالسوا بينهم فتذاكروا. .... الحديث. قاله العراقي في
المغني (51/ 4).
(2) سورة فاطر الآية: 41.
(3) راجع إحياء علوم الدين (51/ 4).