الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٨208
قنطرة التوبة
وروي في الإسرائيليات أن رجلاً تزوج امرأة من بلد فأرسل عبده إليها يحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها واستعصم قال: فنبأه الله ببركة تقواه، فكان نبياً في بني إسرائيل.
وفي قصص موسى عليه السلام أنه قال للخضر عليه السلام بم أطلعك الله على علم الغيب؟ قال: بترك المعاصي لأجل الله.
وروي أن الريح كانت تسير بسليمان عليه السلام، فنظر إلى قميصه نظرة، وكان عليه قميص جديد فكأنه أعجبه، فوضعته الريح فقال: لِمَ فعلت ولم آمرك؟ قالت: إنما نطيعك إذا أطعت الله. وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر كالذي جرى ليونس وغيره من الأنبياء عليهم السلام، والمراد بها الاعتبار والاستبصار؛ ليعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار، وكيف يتجاوز عن غيرهم في الموبقات الكبار.
:
نعم كانت سعادتهم بأن عوجلوا بالعقوبة في الدنيا ولم يؤخروا إلى الآخرة، والأشقياء
إنما يمهلون ليزدادوا إثماً، فإن عذاب الآخرة أشد وأبقى.
فهذا أيضاً مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي
[1/ 252] التوبة لمن أراد الله إرشاده / وهداه (1)
النوع ا الثالث: أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو سبب خطاياه، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله تعالى في الدنيا أكثر؛ لفرط جهله.
فينبغي أن يخوف به، فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر كما تقدم
في قصة سليمان عليه السلام. وكما حكى الله تعالى في قصة يونس عليه السلام في قوله: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (2). إلى قوله: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) (3). ثم ذكر القصة إلى قوله: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مَائَةِ أَلْفَ أَوْ يَزِيدُونَ) (4) الآية. فكل ذلك من
(2)
(3)
(1) راجع النوع الثاني كله في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي (52/ 4، 53) بأوسع مما هنا.
(2) سورة الصافات الآية: 39
(3) سورة الصافات الآية: 147.
(4) سورة الصافات الآيات: 39 147.