الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢١٠210
قنطرة التوبة
والأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره، بل من شؤم الذنب
في الدنيا، على الجملة أن يكتسب به العبد ما يبعده عن ربه، فإن ابتلي بشيء كان عقوبة عليه ويحرم جميل الصبر فيتضاعف شقاؤه، فإن أصابته نعمة كان إستدراجاً له، ويحرم جميل الشكر فيعاقب بقرائن الأحوال على خفايا الصفات فيتعرض لما وقف عليه من ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له رجل: أوصني ولا تكتم علي قال: «لا تغضب» (1). وقال الآخر: أوصني. فقال: عليك باليأس بما في أيدي الناس، فإن ذلك هو الغنى، وإياك [1/ 254) والطمع، فإنه الفقر الحاضر، / وصل صلاة مودع، وإياك وما تعتذر منه (2). وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني. فقال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة. فقال: كيف لي بذلك؟ فقال: إلزم الزهد في الدنيا فكأن النبي عليه السلام توسم في السائل الأول مخائل الغضب، فنهاه عنه، وفي الآخر مخائل الطمع في الناس وطول الأمل، فأمره بترك ذلك، وتخيل محمد بن واسع في السائل مخائل الحرص في الدنيا. وقال رجل لمعاذ: أوصني. فقال: كن رحيماً أكن لك بالجنة زعيماً. فكأنه تفرس فيه أثر الفظاظة والغلظة.
وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: أوصني فقال: إياك والناس، وعليك بالناس، ولا بد من الناس؛ فإن الناس هم الناس وليس كل الناس بالناس ذهب الناس وبقي النسناس وما أراهم بالناس، بل غمسوا في ماء الناس. وكأنه تفرس فيه آفة المخالطة، أو أخبر عما كان هو الغالب على حاله في وقته أو كان أذاه بالناس فالكلام على قدر حال السائل أولى
يكون بحسب حال القائل.
من
أن
وروي أن معاوية كتب إلى عائشة رضي الله عنها: أن اكتبي لي كتاباً توصيني فيه، فكتبت
إليه: من عائشة إلى معاوية سلام عليك.
(F)،
أما بعد، فإني سمعت رسول الله يقول: من التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن التمس رضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس (3). والسلام عليك. انظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التي تكون الولاة مشتغلة بها، وهو مراعات الناس
وطلب مرضاتهم.
(1) قال العراقي في المغني (161/ 3) تعليقاً على نحوه في الإحياء رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني في والأوسط بإسناد حسن.
(2) رواه ابن ماجه قاله العراقي في المغني (54/ 4).
(3) رواه الترمذي والحاكم وفي مسند الترمذي من لم يسم قاله العراقي في المغني (55/ 4).
الكبير