قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١١

قنطرة التوبة

211

وكتبت مرة أخرى: أما بعد فاتق الله؛ فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس، وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك. من الله شيئاً، والسلام عليك. فإذا على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية، وتوسم الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم، فإن حكاية جميع مواعظ / الشرع مع كل أحد غير ممكن. والاشتغال بالوعظ بما هو مستغنى عنه: تضيع زماناً، [255/ب] وإن كان الواعظ يتكلم في جمع)، أو سأله من لا يدري باطن حاله إن يعظه، فليقصد إلى المواعظ التي تشترك كافة الخلق في الحاجة إليها إما على العموم وإما على الأكثر فإن في علوم الشرع أغذية وأدوية، فالأغذية للكافة والأدوية لأرباب العلل.

(1)

ومثاله ما روي أن رجلاً قال لأبي سعيد الخدري: أوصني. فقال: عليك بتقوى الله؛ فإنه رأس كل خير وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام وعليك بالقرآن فإنه نور لك في أهل الأرض وذكر لك في أهل السماء، وعليك بالصمت إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان. وقال رجل للحسن: أوصني. فقال: أعز أمر الله يعزك الله. وقال لقمان لابنه: يا بني زاحم العلماء بركبتك ولا تجادلهم فيمقتوك، وخذ من الدنيا بلاغك، وأنفق فضول تكسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالاً؛ وعلى أعناق الرجال كلاً، وصم صوماً يکسر شهوتك ولا تصم صوماً يضر صلاتك؛ فإن الصلاة أفضل من الصوم، ولا تجالس السفيه، ولا تخالط ذا الوجهين. وقال أيضاً لابنه: لا بني لا تضحك من غير عجب، ولا تمش من غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك؛ فإنه مالك ما قدمت ومال غيرك ما تركت يا بني إن من يرحم يُرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير

ا.

يغنم، ومن يقل الشر يأثم ومن لا يملك لسانه يندم. وقال رجل لأبي حازم: أوصني. فقال: كل ما لو جاءك الموت عليه رايته غنيمة فالزمه وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه. وقال موسى للخضر عليهما السلام أوصني. فقال له كن بساماً ولا تكن غضاباً، وكن نفاعاً ولا تكن ضراراً، وانزع عن اللجاجة، ولا تمش من غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخاطئين بخطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. وقال رجل [256/ب] لمحمد بن حازم ـ فيما بلغنا -: أوصني. فقال: اجتهد في رضاء خالقك بقدر ما تجتهد في

رضاء نفسك.

ويروى أن رجلاً قال لحامد اللفاف: أوصني. فقال: اجعل لدينك غلافاً كغلاف

(1) في الأصل: جميع. وهو سهو من الناسخ والتصويب من إحياء علوم الدين (55/ 4).