قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١٣

قنطرة التوبة

213

شاباً لا يقدر على حفظ جوارحه من غلبة الشهوة عليه فإنه ينبغي له أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يتفكر في الآيات والأخبار المخوفة التي جاءت فيه من كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام. فإذا اشتد خوفه فليتباعد عن الأسباب المهيجة لشهوته.

ومهيج الشهوة من خارج هو حضور المشتهي والنظر إليه وعلاجه الهرب والعزلة. ومن داخل: هو تناول لذائذ الأطعمة، وعلاجه الجوع والصوم الدائم كما قال عليه السلام: معاشر الشبان من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فليصم؛ فإنَّ الصوم له

وجاء (1)

وهو كناية عن كسر الشهوة، والعزلة، والصوم لا يتمان إلا بصبر، ولا إلا عن يصبر خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار، وعن سماع وتقليد، فأول الأمر حضور مجالس الذكر، ثم الاستماع من قلب مجرد عن الشواغل، مصروف إلى السماع، ثم التفكر فيه لتمام الفهم، وينبعث من تمام الفهم الخوف فإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر، ويسهل عليه وانبعثت الدواعي لمطلب العلاج، وتوفيق الله عز وجل وتيسيره من وراء ذلك، فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء، واستشعر الخوف فاتقى، وانتظر الثواب، وصدق بالحسنى، فسييره الله لليسرى.

وأما من بخل واستغنى وكذب / بالحسنى فسييسره للعسرى، ثم لا يغني عنه ما اشتغل [258/ب] ' به من لذة الدنيا مهما هلك وتردى، وما على الأنبياء عليهم السلام إلا شرح طريق الهدى، وإنما الآخرة والأولى الله سبحانه العلي الأعلى، فهذا علاج الشهوة.

وأما علاج تسويف التوبة: فإنما ينبغي أن يعالج بالفكر في أكثر صياح أهل النار من التسويف؛ لأن المسوف يبقي الأمر على ما ليس إليه وهو التقى، ولعله لا يبقى فإن بقي فلا يعذر على الترك غداً كما لا يعذر عليه اليوم، فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة، والشهوة ليست، تفارقه غداً، بل تتضاعف إذ تتأكد بالاعتياد فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها، وعن هذا هلك المسوفون؛ لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ولا يظنون في أن الأيام متشابهة فإن ترك الشهوات فيها شاق شديد على النفس أبداً.

(1) بنحو هذا الطرف عند البخاري في الصحيح (3/ 7) مسلم في الصحيح (النكاح 1، 2)، والنسائي في المجتبى (169/ 4، (171) ابن ماجه في السنن (1845)، أحمد في المسند (387/ 1، 424، 425)،

البيهقي في السنن (296/ 4)، والدارمي في السنن (132/ 2)، الحميدي في المسند (115).