الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢١٥القنطرة الثامنة قنطرة الدنيا
الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها، فنظروا إليها فإذا هي في الظاهر كأنها صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها تتزين لطلابها، حتى إذا صاروا من أحبابها، كشرت لهم عن أنيابها، فأذاقتهم قواتل سمها ورشقتهم بصوائب سهمها، بينما أصحابها في سرور وإنعام، إذ ولت عنهم كأنها أضغاث أحلام، ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد، ووارتهم في أكفانها (1) تحت الصعيد، إن ملكت واحداً منهم جميع ما طلعت عليه الشمس، جعلته حصيداً كأن لم تغن بالأمس، تمني أصحابها سروراً، وتعدهم غروراً. ثم يأملون كثيراً، فيبنون قصوراً، فتصبح قصورهم قبوراً، بوراً وسعيهم هباء منثوراً، وجمعهم وكان أمر الله قدراً مقدوراً، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى من كان من آله وأصحابه له في الدين ظهيراً وعلى الظالمين نصيراً، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فإن الدنيا دار غرور و موطن، ثبور تزينت / الأولياء الله بزينتها ونضارتها حتى [260/ب]
تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها واستدرجت أعداء الله مكرها ومكيدتها، واقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها فعولوا عليها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها، فاجتنوا (2) منها حسرة تنقطع دونها الأكباد، ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكايدها يستغيثون فلا يغاثون، بل يقال لهم: أَخْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (3)، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَيَاةِ الدُّنيا بِالآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) (1).
(4)
(1) في الأصل: واورتهم في أكنافها والتصويب من إحياء علوم الدين (197/ 3).
(2) في الأصل فاجتنبوا - والتصويب من المصدر السابق.
(3)
سورة المؤمنون الآية: 108.
(4) سورة البقرة الآية: 86.