الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٦226
قنطرة الدنيا
أنت تعطيها مناها وهي تعطيك قفاها وعن الفضيل أنه قال: طالت فكرتي في هذه الآية: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لها) (1) إلى قوله: (صَعِيداً جُرُزا) (2).
فلا
وقال بعض الحكماء: إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا عشاء ليلة وغذاء يوم أكلة وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة. فإن رأس مال الدنيا / الهوى وربحها
[1/ 271] تهلك نفسك في
النار.
وقيل لبعض الرهبان: كيف ترى الدهر؟ قال: يهلك الأبدان ويجدد الآمال، ويقرب المنية، ويبعد الأمنية. قيل: فما حال أهلها؟ قال: من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. وقد
قيل:
ومن يحمد الدنيا بعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها وإذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثير همومها
وقال بعض الحكماء: لو كانت الدنيا ولم أكن فيها، وذهبت الدنيا ولم أكن فيها، فلا أسكن إليها، فإن عيشها نكد وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، أما نعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منية قاضية.
وقال بعضهم: من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحد ما يستحق لكنها إما أن تزيده أو تنقصه. وقال بعض العلماء: أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها. وعن أبي سليمان أنه قال: من طلب الدنيا على المحبة لها لم ينل منها شيئاً إلا أراد أكثر، وليس لها غاية، ولا لهذا نهاية.
وروي أن رجلاً قال لأبي حازم إني أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار. فقال: انظر ما أتاك الله منها فلا تأخذه إلا من حله ولا تضعه إلا في حقه، ولا يضرك حب الدنيا. قال: وإنما قال هذه لأنه لو أخذ نفسه بذلك لأتعبه حتى يتبرم ويطلب الخروج منها. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الدنيا حانوت شيطان فلا تسرق من حانوته شيئاً فيجيء
فيأخذك.
(1) سورة الكهف الآية: 7.
(2) سورة الكهف الآية: 8.