قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣٠

قنطرة الدنيا

230

تجارة، فالويل لمن تزود منها الحسرات. ويُنشد:

إن الذين اشتروا الدنيا بآخرة لم يربحوا في افتراق البيع بل خسروا باعوا جديداً جميلاً باقيا حسناً بيابس خلق يا بئس ما اتجروا وعن عيسى عليه السلام أنه قال: الدنيا من ظفر بها مات عليها.

وعن الحسن البصري: نعمت الدار والله كانت الدنيا للمؤمن عمل فيها قليلاً، وأخذ منها زاده إلى الجنة، وبئست الدار والله كانت الدنيا للكافر تمتع فيها قليلاً وأخذ منها زاده إلى

النار.

وعن أبي سليمان أنه قال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها، وإذا كانت

الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة؛ لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة.

وهذا تشديد عظيم، ونرجو أن يكون ما ذكره بعض السلف صحيحاً وذلك أنه قال: الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعاً له. وعن مالك بن دينار أنه قال: بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك، ويقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك.

أن وروي رجلاً قال للحسن: ما تقول في رجل أتاه الله مالاً فهو يتصدق، ويصل منه، ويحسن فيه أله أن يتعيش منه يعني بالنعم. قال: لو كانت الدنيا كلها له ما كان له منها إلا الكفاف، ويقدم ذلك ليوم فقره. وينشد: أيها المتعـ سب جهلاً نفسه تطلب الدنيا حريصاً جاهداً

(1)

لا لك الدنيا ولا أنت لها فاجعل الهمين هماً واحداً

/ وعن الفضيل أنه قال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالا لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت أقذرها كما يقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه. وقيل: قدم عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بناقة مخطومة بحبل فسلّم وسأله، ثم أتى منزله ولم ير فيه إلا سيفه وترسه، ورمحه، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً. فقال له: يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل.

وقال بعض العلماء: خذ. من الدنيا لبدنك ومن الآخرة لقلبك. وعن الحسن قال: والله

(1) الأثر في الإحياء (204/ 3) بنحو مما هنا.

[1/ 276]