قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٣١

قنطرة الدنيا

231

لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام، بعد عبادتهم الرحمن، بحبهم الدنيا.

وعن وهب أنه قال: قرأت في بعض الكتب الدنيا غنيمة الأكياس وعقبة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها، فسألوا الرجعة فلم يرجعوا.

وقال لقمان لابنه: يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها أقرب إلى دار تباعد منها.

راض،

وعن سعيد بن مسعود د (1) أنه قال: إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته، وهو بذلك، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه ولا يشعر.

وعن عمرو بن العاص أنه قال على المنبر: والله وما رأيت قوماً قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد فيه منكم، والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي

له (2).

وعن الحسن أنه تلى هذه الآية: {لَا تَغُرَّنَّكُمْ الحَيَاةُ الدُّنْيَا (3). فقال: من قال هذه؟

?

فقال: من خلقها فهو أعلم بها إياكم إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح الرجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب. وقال أيضاً: مسكين ابن أدم رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عقاب، إن أخذه من حله حوسب بنعمته، وإن أخذه من حرام عذب / به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله يفرح بمصيبة في [277/ب] دينه، ويجزع عن مصيبة في دنياه.

ويروى أنه قدم على معاوية رجل من نجران عمره مائنا سنة فسأله: عن الدنيا كيف وجدها؟ فقال: سنيات بلاء وسنيات رخاء، يوم فيوم وليلة فليلة، يولد ولد ويهلك هالك، فلولا المولود لباد الخلق، ولولا الهلاك ضاقت الدنيا بمن فيها قال له: سل ما شئت. قال: عمر مضى فترده أو أجل حضره فتدفعه؟ قال: لا أملك ذلك. قال: لا حاجة لي إليك. وقال داود الطائي: يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بإنقضائه أجلك، ثم سوفت بعملك كأن منفعته لغيرك.

(1)

هو سعيد بن مسعود بن عبد الرحمن أبو عثمان المروزي المحدث المسند أحد الثقات. توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين وكان من أبناء التسعين الذهبي في سير أعلام النبلاء (504/ 12). (2) رواه الحاكم وصححه ورواه أحمد وابن حبان بنحوه قاله العراقي في المغني (204/ 3). (3) سورة لقمان الآية: 33.