الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٣قنطرة الدنيا
233
مشغول، ورجل زويت عنه الدنيا فنفسه تتقطع عليها حسرات. وينشد في ذم الدنيا: ومنتظر للموت في كل ساعة يشيد ويبني دائماً ويحصن له حين يبنيه حقيقة موقن وأفعاله أفعال من ليس يُقن عياناً كإنكار وكالجهل علمه بمذهبه في كل ما يتيقن
وقد قال لقمان لابنه: يا بني لا تركن إلى الدنيا تشغل قلبك بحبها؛ فإنك لم تخلق لها، ولم تخلق لك، وما خلق الله خلقاً أهون عليه منها؛ لأنه لم يجعل نعيمها ثوباً للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.
وقال الحسن البصري: الدنيا مطية إن ركبتها حملتك، وإن حملتها قتلتك. وقيل له: ما بال الناس يكرمون صاحب الدنيا، ولا فضل له عليهم؟ قال: لأن معشوقهم عنده. ويُنشد في ذم الدنيا: لولا شماتة أعداء ذوي حسد وإن أنال ينفع من يرجيني لما خطبت إلى الدنيا محاسنها ولا بدلت لها عرضي ولا ديني لكن منافسة الأكفاء تحملني على أمور أراها سوف ترديني وقد خشيت بأن أبقى بمنزلة لا دين عندي ولا دنيا تواتيني
[279/ب]
ما سواها لترضيني إلا ينقض لها عرى ديني
/ وقال آخر: عيني لحين: دير مقلتها تطل أف لدنيا أبت تواتيني
وقيل لمحمد بن واسع: إنك لترضى بالدون. فقال: إنما يرضى بالدون من رضي بالدنيا. وعن شقيق البلخي أنه قال: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا من الآخرة فوجدت ذلك في حرفين وهو قوله عز وجل: {وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِيْنَتُهَا وَمَا عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى (1).
(1) ،
وعن عيسى عليه السلام أنه قال: ألا إن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وإلى أجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فإذ أتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم.
(1) سورة القصص الآية: 60.