الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٤234
قنطرة الدنيا
وعنه أيضاً أنه قال: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء
والنار في إناء واحد.
وقال بعضهم
(1): الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا؟!! وقال بعض الحكماء: الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمرها. وأنشدوا: ألا إنما الدنيا غداة أيكة إذا أخضر منها جانب جف جانب هي الدار ما الأمال إلا فجائع عليها ولا اللذات إلا مصائب ولا تكتحل عينيك منها بعبرة على ذاهب منها فإنك ذاهب وقال أبو حازم اشتدت علينا مؤنة الدنيا والآخرة، أما الآخرة فإنك لا تجد عليها
أعواناً، وأما الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجراً سبقك إليها.
وعن أبي هريرة أنه قال: الدنيا موقوفه بين السماء والأرض كالسقاء البالي، تنادي ربها [1/ 280] منذ خلقها إلى يوم يفنيها. يا رب لم تبغضني؟ فيقول لها: اسكتي يا لا شيء اسكتي يا لا
شيء.
وقال ابن المبارك: حب الدنيا والذنوب في القلب قد احتشوته فمتى يصل الخير إليه. وقال وهب بن منبه: من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة، ومن جعل شهوته
تحت قدميه فرّ الشيطان من ظله، ومن غلب علمه على هواه فهو الغالب. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل
أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه (2).
وقال بعض السلف من أراد أن يستغنى بالدنيا عن الدنيا كان كمن يطغى النار بالتين. وقال بعضهم: من أقبل على الدنيا أحرقته (3) نيرانها يعني الحرص حتى يصير رماداً. ومن أقبل على الآخرة صفته نيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع به. ومن أقبل على الله أحرقته نيران التوحيا، فصار جوهراً لا حد لقيمته.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض خطبه: أيها الناس ألا إن الأيام تطوى، والأعمال
(1) في الأصل بعض والتصويب من إحياء علوم الدين (205/ 3). (2) الأثر والآثار السابقة قبله وردت كلها بإحياء علوم الدين في المواضع التي أشرت فيها إلى بعض التصويبات وقبلها وبعدها غير أن الأشعار أتى بها المؤلف من غيره أو قد تكون منه من مواضع متفرقة.
(3) في الأصل احترقته والتصويب من الإحياء (206/ 3).
: