الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٥قنطرة الدنيا
235
تحصى، والأبدان في الثرى، تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد ويأتيان بكل موعود.
وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات. وأنشد لعبد
الله بن المعتز: نسير إلى الأجال في كل ساعة وأيامنا تطوى وهن مراحل ولم أر مثل الموت حقاً كانه إذا ما تخطته الأماني باطل فما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب في الرأس شامل ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام تعد قلائل ويروى أن الله تعالى لما بعث موسى وهارون إلى فرعون قال: لا يروعكما لباسه الذي لبس؛ فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرق ولا يتنفس إلا بإذني، ولا يعجبنكما ما متع به منها، فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون / حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي [281/ب] ذلك عنكما. وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مواضع الهلكة وإني لأجنبهم سلوتها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرة وما ذلك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً، إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف والتقى ينبت في قلوبهم فيظهر على أبدانهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الذي يظهرون، وضميرهم الذي يستشعرون وتجارتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم الذي إياه يأملون، ومجدهم الذي به يفتخرون، وسيماهم التي بها يعرفون. فإذا ألقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة والله أعلم وبه العون والتوفيق)
(1)
الباب الثاني
في مدح الدنيا
قال الله سبحانه لنبيه عليه السلام: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبَ) (2).
(1) راجع في هذا الفصل إحياء علوم الدين (197/ 3: 206).
(2) سورة الشرح الآية: 7.