الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٠54
قنطرة العلم
والدليل على فضل العلم من جهة العقل أيضاً أن العلم سبب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى أن أغنياء جهال العرب والعجم يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لمشايخهم لإختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان؛ لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها.
وأما في الآخرة فمعلوم أن العلم وسيلة إلى السعادة الأبدية، وذريعة إلى القرب من رب العالمين وأعظم الأشياء في حق الآدمي ما هو وسيلة إلى ذلك، ولن يتوصل إلى القرب منه عز وجل إلا بالعمل والعلم ولا يتوصل إلى كيفية العمل إلا بالعلم؛ فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال.
وسئل ابن المبارك عن الناس فقال: العلماء، ولم يجعل غيرهم من الناس؛ لأن الخاصية
التي يميز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم.
فقيل للإنسان إنسان بما هو شريف من أجله وليس ذلك بقوة شخص؛ فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمة؛ لأن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعة فإن السبع أشجع منه ولا بكثرة الأكل، ولا بقوة شهوة الجماع فإن أخس الطيور أقوى سفاداً منه بل لم
منه،
فإن الجمل أوسع بطناً. يخلق إلا للعلم وبالله التوفيق.
وأما من جهة المحسوس فإن هذه الصنائع كلها التي جعل الله فيها قوام النفوس والأبدان
من: بناء وحراثة وخياطة إلى غير ذلك من أسباب المنافع لو جهل الناس ذلك كله لاختل [56/ 1] أمرهم ومعاشهم وانعدمت المنافع وهلك الجميع / ثم رأينا هذا الإنسان العالم بالصنعة يكتسب منها الخير ويجلب بها منافع كثيرة والجاهل بالصنعة لا يجلب منفعة قد تعطل من جميع المنافع وضاع واحتاج واختل أمر معيشته ودينه فلا يستوي مَنْ علم شيئاً مع من جهله قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ()
(1).
وأيضاً فإن الكلب المعلم قتله للصيد ذكاة له وإباحة لأكله، وغير المعلم يجيف الصيد
ويفسده فيحرم أكله.
وكذلك العالم العامل إنما تصح عبادته بعلمه والجاهل لا تصح عبادته، لإنه عمل
(1) سورة الزمر الآية: 9.