الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٥قنطرة الدنيا
245
وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الدرهم عقرب فإن أحسنت رقيته فخذه، وإلا فلا تأخذه؛ فإنه إن لدغك قتلك سمه. .. قيل: وما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. وينشد: لا يغرنك من المرء قميص رقعه وإزار فوق كعب الساق منه رفعه ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه
وعنه أنه قال: «ما من أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتا» (1).
وعنه عليه السلام أنه قال: «طوبى لمن رزق الإسلام وهدى له وكان عيشه كفافاً ورزق
القنوع فقنع (2). وكان الأوزاعي كثيراً يتمثل بهذه الأبيات:
المال ينفد حله وحرامه يوماً وتبقى بعد أنامه المتقي بمتق لإلاهه حتى يطيب طعامه وشرابه ويطيب ما يجني ويكسب أهل ويطيب من لفظ الحديث كلامه وعن يحيى بن معاذ أنه قال: مصيبتان لم يسمع الأولون والأخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته. قيل: وما هما؟ قال: / يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله وأمثال هذه الآثار كثيرة. [290/ب]
بيان وجه الحكمة في الجمع بين مدح المال وذمه
اعلم أن الله سبحانه قد سمى المال خيراً في مواضع من كتابه وسماه فتنة أيضاً، وجعل الدنيا دار تكليف وعمل كما جعل الآخرة دار جزاء وقرار وخلق الإنسان للعبادة، وجعله محتاجاً إلى أمور لا تقوم البنية إلا بها، ولا يعيش الإنسان إلا من أجلها من الطعام والشراب، واللباس والمسكر. وجعله محتاجاً عاجزاً فجعل لنيل حاجته أسباباً ولدفع عجزه حيلاً دله بالعقل عليها وأرشده بالفطنة إليها، فقال تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (3). فقال مجاهد: قدر أحوال خلقه فهدى إلى أسباب سبل الخير والشر.
العراقي في المغني (198/ 4).
(1) رواه ابن ماجة من رواية نفيع بن الحارث عن أنس، ونفيع ضعيف قاله العراقي في المغني (232/ 3). (2) رواه الترمذي وصححه، والنسائي في الكبرى من حديث فضالة بن عبيد، ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه قاله العراقي في المصدر السابق. (3) سورة الأعلى الآية: 3.