الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٦246
قنطرة الدنيا
وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (1). قال: يعني الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، ثم لما كان العقل دالاً على أسباب ما تدعو الحاجة إليه، جعل تعالى الأمور والأرزاق موقوفة على ما قسم وقدر لكيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فطنهم لتدوم له الرغبة والرهبة ويظهر منه تعالى الغنى والقدرة ولذلك قيل:
كم من حريص عليها لا تساعده
وعاجز نال دنياه بتقصير
لم يرزقوها بعقل عندما قسمت لكنهم رزقوها بالمقادير لو كان عن حيلة وعن مغالبة طار البزاة بأرزاق العصافير
وقيل لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. قال وما أصنع بالقدر والمناظرة فيه، رأيت ظاهراً فاستدللت به علي،باطن رأيت جاهلاً مرزوقاً وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس
إلى العباد. فلما كان الإنسان مضطراً كما قدمنا لزمه أن يصرف إلى دنياه حظاً من عنايته؛ لأنه لا
غنى به عن التزود منها لآخرته ولا له به عن سد الخلة فيها عند حاجته. وليس / في هذا الكفاية عن الرغبة فيها بل الراغب فيها ملوم، وطالب فضولها مذموم والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة والفضول إنما ينطلق على ما زاد على الكفاية. ومقصد الأكياس وأرباب البصائر وسعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم، والملك
المقيم، إذ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» (2).
وفي خبر آخر: سئل عن أكرم الناس وأكيسهم. فقال: أكثرهم للموت ذكراً وأشدهم له استعداد». فهذه السعادة لا تنال إلا بثلاثة أشياء: في الدنيا وهي الفضائل النفسية: كالعلم، وحسن الخلق والفضائل البدنية كالصحة والسلامة والفضائل الخارجة عن البدن: كالمال، وسائر أسباب التمتع فأعلاها النفسية، ثم البدنية، ثم الخارجة وهي أخسها، والمال من جملة الخارجات وأدناها الدنانير والدراهم؛ لأنهما خادمان لدرك حاجات النفس المطلوب سعادتها ولا خادم لهما؛ لأنهما ممن أدان لغيرهما لا لذاتهما، إذ هما حجران لا يؤكلان ولا يشربان والنفس تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق، لتحصلها صفه في ذاتها،
(1) سورة البلد الآية: 10. (2) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن أوس قاله العراقي في المغني (368/ 3).
[1/ 191]