قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٧

قنطرة الدنيا

والبدن يخدم النفس بالأعضاء والحواس والمطعم والملبس والمنكح يخدمن البدن.

247

أما المطعم والملبس فلبقاء البدن، وأما المنكح فلبقاء نسله، فالبدن يخدم النفس لتزكيتها وتزينها بالعلم والعمل فمن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال، ووجة شرفه، وأنه خير من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي. ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة بقاء النفس التي تطلبه لها السعادة. فتبين مما ذكرنا أن المال خير، ويصلح أن يتخذ إله للمعاصي التي هي الصارفة للإنسان سعادة الآخرة فهو إذا فتنة وشر فمن اتخذ من الدنيا عن أكثر ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر كما / ورد به الخبر، ولما كانت الطباع مائلة إلى إتباع [292/ب]

وعدة

الشهوات القاطعة عن طريق الآخرة، وكان المال مسهلاً لها وعدة لها عظم الخطر فيما يزيد على الكفاية، فاستعاذ الأنبياء من شره حتى قال نبينا عليه السلام: اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا (1). فلم يطلب من الدنيا إلا ما لا بد منه وكان خيراً له فلما كان المال يحتوي على فوائد منجية وغوائل مهلكة كان ينبغي لنا أن نشير إلى مجموع فوائده وتفصيل غوائله، وبالله التوفيق (2).

فصل: في بيان تفصيل غوائل المال وفوائده

اعلم أن المال مثل الحية فيها سم ناقع، وترياق نافع ففوائدها ترياقها الذي يعمل من لحمها وآفاتها سمومها، فمن عرف غوائلها وأفاتها أمكنه أن يحترز من شرها، وينتفع بخيرها. وأما الفوائد فهي تنقسم إلى: دنيوية يشترك الناس في معرفتها ولولا ذلك لم يتهالكوا في طلبها، وإلى دينية تنحصر بجميعها في ثلاث أنواع:

الأول: أن ينفقه على نفسه إما في عبادة يؤديها كالحج والجهاد، وهما من أمهات القربات، والفقير المحروم من فضلهما. وأما أن ينفقه فيما يقويه على العبادة، وذلك هو المطعم، والملبس والمنكح وضرورات المعيشة، فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة

على الدين من الفوائد الدينية، ولا يدخل فيها التنعم، لأنه من حظوظ الدنيا.

الثاني: ما يصرف إلى الناس وهو أربعة أقسام:

أحدها: الصدقة، ولا يخفى ثوابها؛ فإنها تطفئ غضب الرب تعالى.

(1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (152/ 8)، (283/ 9). وقال العراقي في المغني (229/ 3):

متفق عليه من حديث أبي هريرة.

(2) راجع معظم الباب في الإحياء (229/ 3).