الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٨248
قنطرة الدنيا
الثاني: المروءة ونعني به صرف المال في الأغنياء والأشراف في هدية، وضيافة،
وإعانة، وما يجري مجراه؛ فإنها أيضاً من الفوائد الدينية إذ به يكسب العبد الإخوان والأصدقاء [1/ 293] / ويتصف بالسخاء والجود، وهذا أيضاً مما يعظم الثواب فيه، فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات، وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها.
[1/ 294]
والثالث: وقاية العرض ونعني به (1) بذل المال لقطع ألسنة السفهاء ودفع شرهم واغتنابهم إذا قال: «ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة (2). فكيف لا وفيه منع المغتاب من معصية الغيبة، وإحتراز عما يؤثر من كلامه من العداوة التي تحمل على المكافأة
والانتقام.
الفكر
الرابع: الاستخدام وذلك أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسباب المعيشة كثيرة لو تولاها الإنسان بنفسه ضاعت أوقاته، ولم يصل إلى العلم والعمل فضلاً والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين لطريق الآخرة، ومن لا مال له فيحتاج إلى خدمته
ذلك
عن
بنفسه من كسب القوت وعلاجه وغير ذلك فيشتغل عن العلم والعمل والذكر والفكر. النوع الثالث: ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام: كبناء المساجد، والمدارس والرباطات، ونصب الأخباب في الطرق، وحفر الأنهار والآبار للآجر، وما أشبه من الخيرات المؤبدة الدائمة بعد الموت المستجلبة أدعية بركة الصالحين إلى أوقات متمادية، وناهيك بها خيراً، فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الإخلاص من ذل السؤال، وحقارة، الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق، وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء والتوقير والكرامة في القلب، وكل ذلك مما يقتضيه المال في الحظوظ الدنيوية. وأما آفات المال أيضاً فتنقسم إلى: دينية ودنيوية.
أما الدينية: فثلاثة:
،
الأولى: أن يجر إلى المعاصي بإتباع الشهوات؛ لأن المال نوع من / القدرة يحرك داعية المعاصي وإرتكاب الفجور، فإن اقتحم ما اشتهاه هلك، وإن صبر وقع في شدة، إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
الثانية: أن
يجر إلى التنعم في المباحات هذا أقل الدرجات، فإن اعتاد التنعم واشتد أنسه
(1) في الأصل بها. وهو لحن أو سهو من الناسخ والتصويب من الإحياء (230/ 3). (2) رواه أبو يعلي من حديث جابر. قاله العراقي في المغني (230/ 3).