الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٩قنطرة الدنيا
249
بها ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات وسائر الأخلاق الردية لينتظم له أمر دنياه، ويتيسر له التنعم فيها، فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس فينافقهم ويداريهم ويداهنهم، ويعصي الله تعالى في طلب مرضاتهم ليسلم له ماله، وإن قل ماله، وهو قد اعتاد التنعم فلا بد من مباشرة المحضورات ليتيسر له من الناس قضاء الحاجات، ومن الحاجات إلى الخلق تثور العداوة والصداقة، وينشأ عليها الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والغيبة والنميمة وسائر معاصي القلب واللسان، ويتعدى ذلك أيضاً إلى معاص الجوارح، وكل ذلك من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه. والثالثة: يشغله إصلاحه عن ذكر الله وقد قال تعالى: (لَا تُلْهِيكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله) (1).
وكل ما شغل العبد عن ذكر الله فهو حسرات ولذلك قال عيسى عليه السلام: من المال ثلاثة: أن تأخذه من غير حله قيل: إن أخذه من حله (2)؟ قال: أن يضعه في غير حقه. قيل: إن وضعه في حقه؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله تعالى وفي خبر آخر قال عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة والمال فيها داء كبير.
قيل:: فما دواءه؟ قال: «يأخذه من حله ويضعه في حقه. قيل: فإن فعل؟ قال: «يشغله إصلاحه عن ذكر الله تعالى (3) وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادة ومخها ذكر الله تعالى [295/ب]
والتفكر في أفعاله ويستدعى ذلك قلباً فارغاً، وصاحب المال مشغول القلب بالتفكر في إصلاح ماله وأسباب حفظه، وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها والذي معه قوت يومه في سلامة
جميع
ذلك إذا رزق القناعة.
من
وأما الآفات الدنيوية: فهي ما يقاسيه أرباب الأموال من الأخطار والأهوال والهم والتعب وخوف القطاع والسلاطين الظلمة ودفع الحساد وأصحاب الطمع عنه وغير ذلك من تجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه، فإذا ترياق المال أخذ القوت وصرف الباقي إلى الخيرات وما هموم وآفات، وبالله التوفيق (4)
عداه
(1) سورة المنافقون الآية: 9.
(Y)
(4)
في الأصل من غير حله. ولفظ غير زائد على السياق فحذفته والتصويب من الإحياء (231/ 3). (3) قال العراقي عن الشطر الأول. في المغنى (197/ 3) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا، والبيهقي في
شعب الإيمان من طريقه من رواية الحسن مرسلاً.
(4) راجع الباب في إحياء علوم الدين:2303: 231). وفيه تفصيل أكثر.