قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٣

قنطرة الدنيا

253

إليها فتراها ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيراً عنيفاً، ومرتحلة ارتحالاً سريعاً. ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يتحسر عند إنقضائها ومثالها في ذلك كالظل، فإنه متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر، لا تدرك حركتها بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة. ويروي أنه ذكرت الدنيا عند الحسن فقال:

أحلام نوم أو كل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع

ومن كتاب سراج الملوك: وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام يستفيد منه شيئاً فوجده مشغولاً عنه بذكر الله، والفكر لا يفتر ثم التفت إليه في اليوم السابع.

"

فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل / خير، والتوفيق تاج كل بر. فقال: كيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلاً من الحكماء قد [299/ب]

سنة،

شبه الدنيا بسبعة أشياء: بالماء المالح يغر ولا يروي، يضر ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يغر ولا يمطر، وبظل الغمام يغر، ويخذل ويزهر الربيع يغر بنظرته ثم يصفر فتراه هشيماً، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل. قال: فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين ثم زدت عليها حرفاً آخر فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها. ثم رأيت جدي في المنام فقال لي: يا بني أنت وأنا منك والله كالغول تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها قال: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالصبر، والصبر بالعبر، والعبر بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها ولا أراك خلفي متجرداً بقول دون فعل. فكان ذلك آخر العهد وكان الحسن بن علي يتمثل ويقول:

مني

هي

يا أهل لذة دار لا بقاء لها إن إغتراراً بظل زائل حمق

وكان

يري أنه من قوله. ويقال: نزل أعرابي بقرم فقدموا له طعاماً، فأكل ثم قام إلى ظل

خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه وقام وهو يقول:

ألا إنما الدنيا كظل بنيته ولا بد يوماً أن ظلك زائل وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون أو معاقبون (1). وقيل لحكيم: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: أحلام النائم.

(1) لم أجد له أصلاً قاله العراقي في المغنى (210/ 3).