قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٤

254

قنطرة الدنيا

وقال بعض العلماء: ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما [1/ 300] يحب، فبينما هو كذلك إذا انبته فكذلك / الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به (1).

مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها بنيها: اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولاً، والتوصل إلى الهلاك آخراً، وهي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحتهم

ذبحتهم.

وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت: لا أحصيهم. فقال: أو كلهم مات عنك أو كلهم طلقوك؟ فقالت: بل كلهم قتلت فقال عيسى بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين؟ كيف تهلكينهم (3) واحداً واحداً فلا يكونون منك على حذر؟ مثال آخر: وقد روي عن علي بن أبي طالب كتب إلى سلمان الفارسي رحمه الله بمثال الدنيا فقال: مثل الدنيا مثل الحية يلين مسها ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك هموماً، لما أيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها، أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما إطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها إلى مكروه والسلام. وينشد: هي الدنيا كحية تنفث السم وإن كانت المحشة لانت مثال آخر، في تعذر الخلاص من تباعاتها بعد الخوض فيها: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي على الماء هل يتسطيع الماشي على الماء أن لا تبتل قدماه (3). وينشد: ألقوه في اليم مكتوفاً فقالوا له: إياك إياك أن تبتل بالماء

فهذا يعرفك جهالة أقوام ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم، وقلوبهم عنها [1/ 301] مطهرة، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة / ذلك مكيدة الشيطان، بل لو اخرجوا مما هم فيه لكانوا أعظم المتفجعين بفراقها كما أن الماشي في الماء يقتضي بللاً يلتصق بالقدم لا محالة،

(1) في الأصل بها - والتصويب من الإحياء (210/ 3).

(2) في الأصل: تهلكم وهو تحريف والتصويب من المصدر السابق. (3) رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشُّعب من رواية الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكره، ووصله البيقهي في الشعب، وفي الزهد من رواية الحسن عن أنس قاله العراقي في المغنى (211/ 3).