قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٥

قنطرة الدنيا

255

فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب لا محالة بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع

حلاوة العبادة.

وقد روي عن عيسى عليه السلام أنه قال: بحق أقول لكم كما ينظر المريض إلى طعامه

ما

ولا يستلذ به من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع. يجد من حب الدنيا، بحق أقول لكم: إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت، وتنصب بالعبادة تقسو وتغلظ.

وبحق أقول لكم: إن الزقاق ما لم تنخرق أو تنحل توشك أن تكون وعاء للعسل، كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوة، أو يدنسها الطمع، أو يقسها النعيم، يوشك أن تكون أوعية

للحكمة.

وقال نبينا عليه السلام: إن ما بقى من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله (1).

مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة إلى ما سبق عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل هذه الدنيا كثوب شق من أوله إلى آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع (2). مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض لدرجة الهلاك وعن عيسى عليه السلام أنه

قال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها لنضارة أوائلها وحيث عواقبها: اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوة الأطعمة في المعدة، وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهية / والتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها، وكما أن [302/ب] الطعام كلما كان ألذ طعماً وأكثر دسماً، وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتناً وكذلك كل

في

شهوة في القلب هي أشهى وألذ فتنتها وكراهيتها والتأذى بها عند الموت أشد، بل هي الدنيا مشاهدة، فإن من نهبت داره وأخذ ماله وأهله فتكون مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقده بقدر لذته فيها وحبه لها وحرصه عليها فكل ما كان عند الوجود أشهى وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر، وما للموت معنى إلا فقد ما في الدنيا.

(1) رواه ابن ماجة من حديث معاوية، فرّقه في موضعين ورجاله ثقات المرجع السابق. (2) رواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب، وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس

بسند ضعيف. المصدر السابق.