الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٧قنطرة الدنيا
257
من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء. قالوا: ما هذا؟ قال: على ما أنتم؟ قالوا: على ما ترى. قال: أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئاً. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله أن لا يعصوه شيئاً. قال: فأوردهم ماءً رواءً ورياضاً خضراء فمكث فيهم ما شاء الله. ثم قال لهم: يا هؤلاء. قالوا: ما هذا؟ قال: الرحيل قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم. فقال أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لا نجده وما نصنع بعيش خير من هذا؟ قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله أن لا تعصوه. ره شيئاً وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم، فبدر بهم العدو فأصبحوا من بين أسير وقتيل (1) مثال آخر لتنعم الناس في الدنيا ثم تفجعهم على فراقها: اعلم أن مثل الناس فيما [304/ب]
(1)
أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ داراً وزينها، وهو يدعو إلى داره قوماً على الترتيب واحداً بعد واحد فدخل واحد الدار فقدم إلى طبق ذهب عليه بخور ورياحين يشمه ويتركه لمن يلحقه، لا لمن يتملكه ويأخذه فجعل رسمه فظن أنه قد وهب ذلك منه فتعلق قلبه به لما ظن أنه له. فلما استرجع منه ضجر وتفجع ومن كان عالماً رسمه انتفع به فشکره ورده بطيب قلب واستراحة فكذلك من عرف سنة الله في الدنيا، علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منه، وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري فلا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها.
صدر،
مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم في نعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة، وخسرانهم لها: واعلم أن أهل الدنيا في غفلتهم مثلهم كمثل قوم ركبوا سفينة وإنتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحوائج وحذرهم المقام فيها وخوفهم مرور السفينة وإستعجالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم الحاجة وبادر إلى السفينة، فصادف المكان خالياً، فأخذ أوسع الأماكن وأوفقها لمراده، وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها، وأنوارها العجيبة، وغياضها الملتفة، وطيورها الطيبة، فصار يلحظ من زينة أحجارها، وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقوش، ثم تنبه لخطر فوات
(1) رواه ابن أبي الدنيا هكذا بطوله لأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان الحديث وفيه فقال: أي أحد الملكين إن مثل هذا وكمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فذكر نحوه أخصر منه وإسناده حسن قاله العراقي في المغنى (213/ 3: 214).
قناطر الخيرات ج/ 2 م/17