قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٨

258

قنطرة الدنيا

السفينة، فرجع إليها ولم يصادف فيها إلا مكاناً ضيقاً حرجاً فاستقر فيه، وبعضهم أكب على [1/ 305] تلك الأصداف والأحجار فأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه / بإهمالها، فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكاناً ضيقاً وزادته الحجارة ضيقاً وصارت ثقلاً عليه ووبالاً، فندم على أخذه ولم يقدر على رميه ولم يجد مكاناً لوضعه فحمله في السفينة على عنقه متأسف وهو على أخذه، وليس ينفعه التأسف وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب، وقعد في متفرجه، ومتنزهه حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار والنسيم لتلك الأنوار، والتفرج بين تلك الأشجار، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع غير خال من السقطات والنكبات، ولا ينفك عن شوك ينتشب بثيابه وغصن يجرح، بدنه وصوت هائل يفزع منه، فلما بلغهم نداء السفينة انصرف بعضهم مثقلاً بما معه، ولم يجد في المركب موضعاً وبقي على حتى مات جوعاً. وبعضهم لم يبلغه النداء، فسارت السفينة، فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك، ومنهم من مات في الأوحال، ومنهم: من نهشته الحيات وتفرقوا كالجيف المنتنة، وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه الحجارة المزبرجة، فقد استرقته وشغله الحزن لحفظه، والخوف من فواته، وقد ضيق عليه مكانه، فلم يلبث إلى أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت ألوان الأحجار، فظهر نتن ريحتها، فصارت مع عفنها مضيقة عليه، ولم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هرباً منها، وقد أثر فيه ما أكل منها، فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بتلك الروائح فبلغ سقيماً. ومن رجع قريباً، ولم يسعه المكان فتأذى بضيقه مدة ولكن لما وصل إلى الوطن استراح، ومن رجع أولاً وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالماً.

الشط

من

فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم عاقبة أمرهم، وما أقبح بمن يزعم بصير عاقل أن تغره حجارة الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبات وهي [1/ 306] زينة الدنيا / وشيء منه لا يصحبه عند الموت بل يصير كله وبالاً عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله منهم وقليل ما هم

(1)

مثال آخر للدنيا ولابن آدم وقد ضرب حكماء الهند مثلاً للدنيا ولابن آدم فقالوا: مثل ابن آدم، والدنيا، وملك الموت كمثل رجل طرده الفيل فدخل له بستاناً فإذا فيه بئر فيه ثعبان فاتح فاه فدلى رجليه في البئر، فاستقرت على رؤوس أربع حيات صغار، وقد اعتمد هو على قصبة يخرج منها شيء حلو يمتصه، وفي أصل القصبة جرذان يقرضانها: أحدهما أبيض

(1) راجع المثال في إحياء علوم الدين للغزالي (212/ 3: 213).