قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٩

قنطرة الدنيا

259

والآخر أسود فشغله ذلك الشيء الحلو الذي يمتصه عن الفيل الذي خلفه والثعبان الذي تحته، فبينما هو كذلك إذ ثار عليه بعض تلك الحيات فنهشته فوقع في فم الثعبان. قالوا: فالفيل ملك الموت يطرد الإنسان لقبض روحه منذ خرجه من بطن أمه والبستان مثل الدنيا، والبئر مثل القبر، والحيات الأربع الطبائع الأربع التي ارتكبت عليها الأجسام وهي المرة السوداء والصفراء والدم والبلغم، والقصبة عمره، والشيء الحلو رزقه والجرذان الليل والنهار يقطعان عمره، فإذا ثارت عليه إحدى الطباع كان ذلك سبب إنقطاع أجله فيموت فيقع في البئر وهو القبر والله أعلم. وقال بعض العلماء: الناس في الدنيا على ثلاث درجات:

إحداها: درجة الفائزين وهم الذين لم تدنسهم الدنيا بأهل ولا مال يحاسبون عليها. والثانية: درجة المخاطرين وهم المقتصدون في الأهل والمال في الدنيا، فإن نوقشوا عذبوا، وإن سومحوا نجوا.

والثالثة: درجة الهالكين وهم الذين رضوا بالحياة الدنيا وإطمأنوا بها: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّار) (1). ومثال هؤلاء الثلاثة والدنيا: كمثل ثلاثة نفر اجتازوا في سفر

(1).

،

على بستان قد تزخرفت أنواره، وأينعت فواكهه واطردت أنهاره، فائتمروا فيما بينهم على أخذ الزاد منه، فاعتذر أحدهم بحاجة واستمر في طريقه / فمال الإثنان إلى البستان فأخذ أحدهما منه [307/ب] زاده ولحق بصاحبه الأول بعد أن كابد مشقة، وبقي الثالث في البستان يتنعم بالفواكه والأنهار، حتى دخل عليه الخريف فغارت تلك الأنهار، ويبست تلك الفواكه والأزهار فهلك ولم يصل

إلى المقصود.

فالأول: من الفائزين.

والثاني: من المقتصدين.

والثالث: من الراغبين وبالله التوفيق.

من

بعد

أن

فهذه أمثلة الدنيا وغوائلها، وقد ضرب الله مثلاً للدنيا هو أعم هذه الأمثلة وصفها بخمس صفات مذمومات: لعب ولهو، وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد. فقال تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرُ (2). إلى قوله:

حُطاماً) (3).

(1) سورة هود الآية: 16. سورة الحديد الآية: 20.

(2)

(3)

سورة الحديد الآية: 20.

(Y)،