قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٠

260

قنطرة الدنيا

والكفار هاهنا الزراع فكما أن الزرع يكون في أوله ناعماً أخضر أحسن ما يكون في مرئي

العيون، ثم يهيج فتراه مصفراً، يعني: يجف، ثم يصفر ويحترق، ثم يدرس فيكون حطاماً أي تبناً مكسوراً، فكذلك مثل بني آدم يخرجون صغاراً، ثم يصيرون شباباً يعجبون الآباء، ويفتنون ذوي العقول والأحلام، ثم يهرمون فيصيرون شيوخاً منكسة رؤوسهم مقصوفة ظهورهم، قد ذهب حسنهم ونضارتهم، وتغير شبابهم وجمالهم، فيموتون؛ ثم يصيرون حطاماً في القبور كفتات الزرع، لأنهم مخلوقون من الأرض، وإليها مرجعهم، ومنها مبعثهم.

وقد روي في الخبر: رجلين تنازعا في أرض فانطق الله لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: إني كنت ملكاً من الملوك، ملكت الدنيا ألف سنة فأخذني خزاف وصيرني لبنة، فأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة فلم تتنازعان في هذه الأرض. والله أعلم وأحكم وبه العون

والتوفيق.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: الدنيا ستة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومركوب ومنكوح، ومشموم. فأشرف المطعومات العسل وهو مدقة الذباب، وأشرف المشروبات الماء يتسوى فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج [1/ 308] دودة، وأشرف المركوبات الفرس وعليها يقتتل / الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال. والله إن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأشرف

المشمومات المسك وهو دم حيوان.

أنا

بين يديك فخذ

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ضرب للدنيا مثلاً، ولابن آدم عند الموت كمثل رجل له ثلاث أخلاء فلما حضره الموت قال لأحدهم: كنت لي خلا موثراً مكرماً وقد حضرني من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله لا استطيع أن أنقض عنك، ولا أكشف كربك، ولكن ها مني زاد ينفعك. ثم يقول للثاني: كنت عندي أبر الثلاثة وقد نزل بي من أمر الله ما ترى فماذا عندك؟ فيقول: هذا من أمر الله غلبني عليك ولا أقدر أن أنقض كربك، ولكن سأقوم عليك في مرضك فإذا مت اتقنت غسلك وسترت جسمك وعورتك. وقال للثالث: قد نزل بي من أمر الله ما تراه وقد كنت أهون الثلاثة عليَّ فماذا عندك؟ فقال: إني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة ولا أدخل معك قبرك حتى تدخله ولا أخرج منه دونك ولا أفارقك أبداً». فقال عليه السلام: الأول، ماله، والثاني أهله، والثالث عمله، والله أعلم (1).

(1) راجع الأمثال الواردة في الدنيا في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فقد ذكرها وزاد عما هنا =