الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦١قنطرة الدنيا
261
الباب الرابع
في حقيقة الدنيا وتفصيل جملة معانيها
اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف المذموم منها والمحمود المندوب إلى الأخذ منها، فنقول: دنياك وآخرتك عبارة (1) عن حالتين من أحوال قلبك، فالقريب الداني منها
(2)
بعد
يسمى دنيا، وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى: آخرة، وهي ما الموت، فكل ما لك فيه حظ ونصيب وشهوة في عاجل الحال قبل / الوفاة فهي الدنيا في [309/ب] حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وشهوة فليس بمذموم بل هو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يصحبك في الآخرة وتبقى ثمرته معك بعد الموت وهو شيئان: العلم والعمل فقط؛ ونعني بالعلم العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعته.
ذلك
وأعني بالعمل: العبادة الخالصة لوجهه تعالى وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير. ألذ الأشياء عنده، وكذلك العباد، وقد يأنس بالعبادة الله تعالى فيستلذها، حتى لو منع منها لكان أعظم العقوبة عليه، حتى قال بعضهم: ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بني وبين قيام الليل. وكان آخر يقول: اللهم ارزقني قوة الصلاة والركوع والسجود في القبر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حبب إليَّ من دنياكم ثلاثة: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة (3). فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا، وذلك لأن كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من الدنيا والتلذذ تحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا. فذلك أضافها إلى الدنيا فقد صار العلم والعمل من الحظوظ العاجلة في الدنيا ولكن إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعن هذين منها أصلاً.
القسم الثاني: وهو المقابل للأول، وهو الطرف الأقصى وذلك كل ما للإنسان فيه حظ في الدنيا ولا ثمرة له في الآخرة، أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والمرغوبات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب
(1)
=
(~/ b+A: 314)
في الأصل عبارتان والتصويب من إحياء علوم الدين (214/ 3).
(2) في الأصل ملك والتصويب من المصدر السابق.
:
(4)
(3) رواه النسائي، والحاكم من حديث أنس دون قوله: «ثلاث». العراقي في المغنى (214/ 3).
(ع) في الأصل القناطر والتصويب من الإحياء (214/ 3).