قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٢

262

قنطرة الدنيا

والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والجواري والنساء والقصور والدور، ورفيع الثياب [310/ 1) ولذائذ الأطعمة، فحظ العبد من هذا كله الدنيا المذمومة، وفيما يعد منها من الفضول / نظر

طويل.

هي

فاتخذ

إذ روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استعمل أبا الدرداء على حمص كنيفاً أنفق عليه در همين فكتب إليه من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عويمر، قد كان لك في بناء فارس والروم ما تكتفي به من عمران الدنيا حين أذن الله بخرابها، فإذا أتاك كتابي هذا فقد سيرتك أنت وأهلك إلى دمشق (1) فلم يزل بها حتى مات. فهذا رآه فضولاً في الدنيا

فتأمل فيه. القسم الثالث: وهو متوسط بين الطرفين وذلك كل حظ للإنسان في عاجل الدنيا معين على أعمال الآخرة كالقوت من الطعام والثوب الواحد الخشن وكل ما لا بد منه ليتأتى منه للإنسان البقاء والصحة التي تتوصل إلى العلم والعمل فهكذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه

معين عليه.

فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به متناولاً للدنيا ولم يصير به من أبناء الدنيا، وإن كان باعثه وقصده قضاء شهوته دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني فصار من جملة الدنيا، فلا يبقى عند العبد بعد الموت إلا ثلاث صفات؛ صفاء القلب، أعني طهارته من أدناس الدنيا، وأنسه بذكر الله تعالى، وحبه الله تعالى، فصفاء القلب وطهارته لا يحصل للعبد إلا بالكف عن شهوات الدنيا والأنس لا يحصل له إلا بكثرة ذكر الله والمواظبة عليه، والحب لا يحصل له إلا بالمعرفة ولا تحصل له معرفة الله إلا بدوام

الفكر، وهذه الصفات هي المنجيات المسعدات عند الموت، وهي الباقيات الصالحات. فإذا سلوك طريق الآخرة هي المواظبة على أسباب هذه الصفات الثلاث؛ وهي الذكر، والفكر، والعمل الذي يعصم العبد عن شهوات الدنيا ويبغض إليه لذاتها ويقطعه عنها، وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا بقوت وملبس ومسكن، وكل ذلك [1/ 311] يحتاج إلى أسباب. فالعذر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة / إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة، وإن أخذ ذلك الحظ للنفس وقصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها، إلا أن الرغبة في حظوظ الدينا تنقسم إلى ما

(1) في الأصل: ذي مشق والتويب من المصدر السابق.