الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٤264
قنطرة الدنيا
فلهذا زوى الله الدنيا على نبينا محمد و فكان يطوي أياماً (1)، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع. ولهذا سلط البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك نظر لهم وأمتنان عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكة ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحباً له لا بخلاً عليه.
وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس الله فهو من الدنيا وما الله تعالى فذلك ليس من الدنيا فإن قيل: فما الذي هو الله تعالى؟ فاعلم إن الأشياء ثلاثة أقسام:
منها: ما لا يتصور أن يكون الله، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة صورة ومعنى.
الآخرة
ومنها: ما صورته الله تعالى ويمكن أن يجعل لغير الله
وهي ثلاثة؛ الذكر، والفكر،
فهي
والكف عن الشهوات، فإن هذا الثلاثة إذا جرين سراً ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الله وليست من الدنيا وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للشرف وطلب القبول [1/ 313] من الخلق باظهار المعرفة، أو كان / الغرض من ترك الشهوات حفظ المال، أو المحبة لصحة البدن، أو لاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان يظن بصورته أنه الله تعالى. ومنها: ما صورته لحظ النفس، ويمكن أن يجعل معناها الله تعالى وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده، فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، وإن كان القصد للاستعانة على التقوى فهو الله تعالى بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا. وقد قال عليه السلام: «من طلب الدنيا حلالاً مكاثراً لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافاً عن المسألة. وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر (2). انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، والنبة فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعتبر عنه بالهوى وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (3).
(Y)،
(1) رواه محمد بن خفيف في شرف الفقراء من حديث عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول الله، عجباً لمن بسط الله لهم الدنيا وزواها عنك … الحديث وهو من طريق إسحاق معنعنا، وللترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس: أن النبي الله كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله. الحديث قال الترمذي حسن صحيح. العراقي في المعنى (216/ 3).
(2) رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف. قاله العراقي في
المغنى (217/ 3). (3) سورة النازعات الآية: 40.