قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٥

قنطرة الدنيا

265

الآية. ومجامع الهوى خمسة أمور: وهي؛ ما جمعه الله سبحانه وتعالى في قوله: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِيْنَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَانُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ (1) ..

والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة هي سبعة فجمعها تعالى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ

حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) (2) إلى قوله تعالى: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (3).

وقد عرفت أن كل ما هو الله تعالى فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت لا بد منه وما لا بد منه من مسكن وملبس هو الله إن قصد به وجه الله تعالى والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة طرف يقرب من الضرورة فلا يضر، فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن وطرف يزاحم حيز التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر وبينهما وسائط متشابهة ومن يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه والحزم في الحذر والتقوى والتقريب من حد الضرورة ما أمكن للاقتداء بالأنبياء والأولياء إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة.

حتى روي أن أويس القرني رحمه الله / كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه [314/ب]

فبنوا له بيتاً على باب دارهم فكان تأتى عليه السنة والسنتان والثلاثة ولا يرون له وجهاً، وكان يخرج أول الأذان ويأتي إلى منزله مراراً بعد العشاء الأخيرة، وكان طعامه أن يلقط النوى، فكل ما أصاب من الحشف خبأه لإفطاره، فإن أصاب ما يقوته من الحشف تصدق بالنوى فإن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى واشترى ما يقوته، وكان لباسه مما يلقطه من المزابل من قطع الأكسية فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها فكان ذلك لباسه، وكان ربما مر بالصبيان فيرجمونه ويظنون أنه مجنون، فيقول لهم يا أخوتاه إن كنتم ترجموني فارموني بحجارة صغار فإني أخاف أن تدموني فتحضر الصلاة ولا أصيب الماء. فهكذا كانت سيرته ولهذا أعظم النبي الله، أمره، وأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أن يقرأه عنه السلام. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل شفاعته مثل ربيعة ومضر)

(4))

(1) سورة الحديد الآية: 20.

(2) سورة آل عمران الآية: 14. (3) سورة آل عمران الآية: 14.

(4)

يريد، أويساً، ورويناه في جزء ابن السماك من حديث أبي أمامة: يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة وإسناده حسن، وليس فيه ذكر لأويس بل في آخره، فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل بن عفان العراقي في المغنى (217/ 3).

عثمان