قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٦

266

قنطرة الدنيا

وقصته مع عمر رضي الله عنه مشهورة وكذلك مع هرم بن حيان. وفي أثر أصحابنا أن أويساً قتل مع أهل النهروان رحمهم الله. فهذه كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدنيا، وقد عرفت بما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء وما أقلته الغبراء إلا ما كان الله عز وجل من ذلك. وضد الدنيا الآخرة، وهو كل ما أريد به الله عز وجل مما يؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا لأجل (1) قوة طاعة الله تعالى ليس من الدنيا لأن البدن مركب النفس يقطع به مسافة العمر، فتعهد البدن، فما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة وليس من الدنيا، نعم إذا قصد تلذذ البدن وتنعمه بشيء هذه الأشياء كان منحرفاً عن الآخرة بقدر ذلك، ويخشى عليه القسوة والله أعلم فهذه حقيقة الدنيا في حقك وبالله التوفيق (2).

من

| فصل: في بيان هيئة الدنيا وتفصيل أعيانها

اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة، وللإنسان فيها حظ، وله في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن أحدها وليس كذلك.

أما الأعيان الموجودة التي هي الدنيا عبارة عنها فهي: الأرض وما عليها: قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَة لَهَا} (3) الآية. فالأرض فراش الآدميين، ومهاد، ومسكن، ومستقر، وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح. ويجمع على الأرض ثلاثة أقسام: المعادن والنبات، والحيوان.

أما النبات: فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي.

وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والحديد والرصاص، وللنقد كالذهب

والفضة، وغير ذلك من المقاصد.

وأما الحيوان فينقسم إلى؛ الإنسان، والبهائم.

وأما البهائم: فتطلب لحومها للأكل وظهورها للمركب والزينة.

وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان، أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان، أو يطلب قلوب الناس ليملكها بأن يغرس فيها

(1) في الأصل لأجر والتصويب من الإحياء (219/ 3).

(2) راجع الباب في إحياء علوم الدين بأوسع مما هنا (214/ 3: 219).

(3) سورة الكهف الاية: 7.

[1/ 315]