قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٧

قنطرة الدنيا

267

التعظيم والإكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين، فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا، وقد جمعه الله تعالى في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ). إلى قوله: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1). وهما من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرهما من اللآلئ واليواقيت وغيرهما، والخيل الموسومات والأنعام؛ وهي البهائم والحيوانات، والحرث وهو النبات والزرع، فهذه أعيان الدنيا إلا أن لهما مع العبد علاقتين:

إحداهما: علاقة مع القلب؛ وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير

جميع

قلبه كالعبد أو كالمحب المستهتر الذي غلب عليه حب الدنيا. ويدخل في هذه العلاقة. صفات / القلب المتعلقة بالدنيا: كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة [316/ب] وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر فهذه هي الدنيا الباطنة. وأما الظاهرة فهي الأعيان التي

ذكرناها.

اشتغاله

العلاقة الثانية: مع البدن وهو بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون مبها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومثابهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين؛ علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف الإنسان نفسه، وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى؛ وأعني بالدابة البدن، فإنه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن كما لا تبقى الإبل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال.

ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثل الحاج الذي يقف في بعض منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويحمل إليها أنواع الحشيش ويسقيها حتى تفوته القافلة، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته، والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا بالقدر الذي يقدر به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة.

والحج إنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل المرحاض إلا بالضرورة، ولا فرق بين إدخال الطعام في الجوف وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن، فمن همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه.

وأكثر ما شغل الناس عن الله تعالى هو البطن، فإن القوت ضروري، وأما المسكن

(1) سورة آل عمران الآية: 14.