الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٦276
فكان
من
قنطرة الدنيا
وهيئتها وجمالها فأثبت فيها بصره، ثم نادها يا جارية أيبيعك مولاك فلما فجأتها منه هذه الكلمة، وهو في هيئته تلك في عباءته وتواضعه قالت أمسكوا مطيتي، كيف قلت يا شيخ؟! قال: أقول لك هل يبيعك مولاك؟ قالت: ويلي عليك ولو باعني هل لمثلك ما يبتاعني به؟ قال: نعم، وخير منك فاستضحكت وقالت لغلمانها: سيروا به. قال: فحفوا به. قال: خلوا عنى أنا أسير إليكم فسار معهم حتى أتت قصرها، فقام حجبة الدار لها، فدخلت فأنزلوها، فبقى مالك بالباب فدخلت إلى مولاها فقالت يا مولاي ألا تتعجب لشيخ لقيني شأنه كذا وكذا، فحدثته فأضحكته. فقال: أين هو ويلك؟ قالت: قد جئت به هو بالباب. قال: ادخلوه، فدخل مالك ولم يعرفه الرجل فلما وقف بباب مجلس إذا ببيت منجد بضروب سرية من الوطئ والمتكأ، فإذا هو قاعد على فراش من قدره وشأنه فشخص مالك ينظر. فقال: أدخل أيها الشيخ فقال: لا أدخل أو ترفع هذا الوطئ بشرفه وفتنته عني حتى لا أطأ منه شيئاً ولا أنظر إليه. قال: فألقى الله له الهيبة والطاعة في قلبه، فأمر برفع الوطئ والبسط حتى كشف الرخام فقعد ورب البيت على كرسيه قال: اجلس أيها الشيخ كما أحببت. قال: لا والله أن تنزل معي. على هذا المرمر، وتنزل عن كرسيك. قال فجلس وجلس [1/ 327] / الملك معه. فقال له الرجل: قل حاجتك يا شيخ قال جاريتك التي دخلت عليك آنفاً
اتبيعنيها. قال: وهل لك ما تبتاعها به؟ قال: وما ثمنها؟ قال: إن من شأنها وقدرها وحالها كذا وكذا إنها تساوي كذا وكذا ألفاً قال: ما بيني وبينك من قيمتها إلا يسير، ثمنها عندي نواتان مسوستان. قال: فضحك وضحكت الجارية من وراء الستر وضحك خدمة الدار. قال مالك: ما أضحككم؟ قال: وكيف كان ثمنها عندك بهذه الخساسة؟ قال: لكثرة عيوبها. قال: وما أعلمك بها؟ قال: أنا أعلمك بعيبها ما تعلم به علمي بها. قال: فقل. قال: فإنها إن لم تتعطر دفرت، وإن لم تستك بخرت، وإن لم تغتسل وضرت وإن لم تمشط وتدهن قملت وشعثت، وإن تعمر عما قليل هرمت فذات، بخر ودفر، وبصاق ومخاط وقمل، وشعث، وهرم وحيض، وبول، وغائط، وأقذار جمة، وآفات بينات كيف لا تغلو عليّ بنواتين مسوستين فلعلها لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لتنعمها بك وتنعمك بها، لا تفي بوعدك، ولا تصدق في ودك، ولا يخلف عليها أحد إلا رأته مثلك، وأجد بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت. من سلاله الكافور، ولو مزج بريقها الأجاج لطاب، ولو دعي ميت بكلامها لأجاب، ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت، دونه، ولو برز لسواد الليل لسطع فيه نوره، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتزخرفت، ولو نفخ ريح ذوائبها الأرض لأرجت العطر ولم تتعطر الشكلة، ولو تصنعت لقسمت المتعشقة التي نشأت بين رياض المسك والزعفران