الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٧قنطرة الدنيا
277
و قصرت في أكنان النعيم، وغديت بماء النسيم، فلا يكسف بالها، ولا يتوقع ضدها، فأيهما أحق برفعة الثمن أيها المغبون؟
قال: التي والله وصفت. قال: فإنها الموجودة بالثمن القريب الخطب. قال: فما ثمنها رحمك الله؟ قال: اليسير المبذول إن تتفرغ ساعة / من ليلك فتقوم بركعتين تخلصهما لربك، [328/ب]
وأن يوضع طعامك وتذكر جائعاً وتؤثره الله على شهوتك، وأن تخطر بالطريق فتعزل منه حجراً أو مدراً، وأن تحرك لسانك بطيب من الكلام ذاكراً، وأن تقطع أيامك بالبلغة، وترفع همك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القنوع ربحاً، وتأتي غداً إلى موقف الكرامة آمناً، وتنزل على الملك الكبير مخلداً.
قال: فما برح الرجل أن قال: يا جارية قالت: لبيك يا مولاي. قال: أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قالت: نعم سمعت. قال: أصدق أم كذب؟ قالت: بلى والله صدق، وبر، ونصح. قال: فأنت إذا حُرة لوجه الله تعالى، وضيعة كذا وكذا عليك صدقة، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا وهذه الدار صدقة بما فيها وجميع مالي في السبيل، وبسط يديه إلى ستر خشن كان على بعض أبوابه فأجتذبه فرمي به عليه فاستتر به قالت الجارية: لا عيش لي دونك فرمت بكسوتها ولبست ثوباً خشناً فخرجت معه فودعها مالك ودعى لهما. قال: وأخذا طريقاً، وأخذ مالك آخر. قال ناقل الحكاية فذكر أنهما لم يزالا متعبدين الله تعالى عاملين حتى لقيا الله تعالى على ذلك والله أعلم.
فصل في الزهد
ويروى عن رسول الله أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيراً أزهده في الدنيا وأرغبه في الآخرة وبصره عيوب نفسه (1).
وعنه أنه قال: «أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». وعنه أنه قال: «من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعليم وهدى بغير هداية فلزهد في الدنياه (2).
وعنه أنه قال: «من إشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن خاف النار لهى عن
(1) رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله: ورغبه في الآخرة» وزاد: «فقهه في الدين». وإسناده ضعيف العراقي في المغنى (219/ 4).
(2) لم أجد له أصلاة. المصدر سابق.