الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٨308
قنطرة الخلق
كانت تحمله على ظهرها فمرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لها: من هذا؟ قالت: أبي. قال لها: لو مهدت له لمكان أوطى عليه قالت: فالصبي إذا جاع انطفى، وإني لأكره أن أودعه في المنزل فيجوع ولا أعلم به، وإني لأصغر أولاده، وإن له لمائة سنة، وإني لبكر وقد أدر الله عز وجل ثديي لبناً، فإذا جاع أرضعته من قريب فقال عمر لأصحابه: أترون ما بلغت هذه المرأة من بر أبيها؟ قالوا نعم قالت يا عمر ما بلغت بره قال: وكيف؟ قالت: إني كنت في مثل حاله صغيرة يتمنى بقائي وأتمنى موته. قال عمر: أنت أفقه من عمر والله أعلم. وجملة حقوق الوالدين: أن يبرهما أحياء وأمواتاً، وأبراراً كانا أو فجاراً.
أما في الحياة: فلزوم طاعتهما وإجابة دعوتهما وخفض جناح الرحمة لهما وتعاهدهما بالسلام عليهما والقيام بحوائجهما، ولا يخرج من أمرهما ورأيهما إلا أن تبين لهما الرشد، في خلاف رأيهما، وإن كانا فقيرين أعانهما بنفسه وواساهما بماله ويأثرهما على نفسه، وتولهما إن كانا أهلاً للولاية، وإلا فلا يظهر البراءة في وجوههما، ولا ينظر شزراً إليهما، ولا يمسك على أنفه إن شم سوء رائحة من هما، ويمتثل أوامرهما إلا إن أمراه بمعصية من ترك صلاة، أو أو ترك تعلم ما يلزمه من أمر دينه بارتكاب محرم، أو أمره بترك ما يحل له من النكاح، والبيع والشراء، وكسب ما لا بد منه من الحلال، فلا يضيق عليه خلافهما لقول رسول الله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
صوم،
وقال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (1) الآية.
[360/ ب] وعنه عليه السلام لأبي هريرة / لا تشتم والديك حيين ولا ميتين قال قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أشتمهما ميتين ولا أراهما؟ قال: إذا شتمت إمهات الرجال شتموهما فأنت إذا
شتمتهما إذا تعرضت لشتمهما».
(Y).
وأما حقهما بعد موتهما: فهو ما روي أن رجلاً (2) سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل بقى عليَّ من بر أبوي شيء أبرهما به؟ قال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما». هذا إن كانا متواليين قال: وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل
إلا بهما» (3).
(1) سورة العنكبوت الآية: 8.
(2)
هو رجل من بني سلمة.
(3) قال الحافظ العراقي: حديث مالك بن ربيعة رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح
الإسناد.