قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣١٤

314

قنطرة الخلق

وإن أهمل في أول نشوئه حتى ألف اللعب والفحش والوقاحة والرفاهية والتنعم والتفاخر

[366/ب] / نبأ عن قبول الحق نبوء الحائط عن التراب اليابس. فأوائل الأمر هي التي ينبغي أن تراعى. وقد روي عن بعض زهاد قومنا يقال له سهل التستري أنه قال: كنت ابن ثلاث سنين وكنت أقوم بالليل انظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً خالي: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك لسانك الله معي الله ناظري الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته. فقال: قله كل ليلة تسع مرات. فقلت ذلك ثم أعلمته. فقال: قله في كل ليلة إحدى عشرة مرة. فقلت ذلك فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة. قال: احفظ ما علمت ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنتين فوجدت له حلاوة في سري. ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر إليه وشاهده كيف يعصيه إياك والمعصية. فكنت إلى المكتب فقلت: أخشى أن يفترق على همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع، فحفظت القرآن وأنا ابن ست سنين أو سبع وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشر سنة.

أخلو فبعث بي

قال: فوقعت لي. مسألة وأنا ابن ثلاثة عشر سنين فسألت أن يبعثوا بي إلى البصرة ففعلوا، فسألت علمائها فلم يشف عني أحد شيئاً فخرجت إلى عبدان إلى رجل يعرف بأبي حمزة بن الله عبد العبداني. فسألته عنها فأجابني، فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصار على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن [367/ب] فيخبز لي فأفطر عليه عند السحر كل ليلة أوقية واحدة بحتاً بلا ملح ولا إدام فكان / يكفي ذلك الدرهم سنة ثم ثلاث ليال ثم أفطر، ثم خمساً، ثم سبعاً ثم خمس وعشرين ليلة. قال: وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنتين، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله، والله أعلم.

فهكذا ينبغي أن يروض الإنسان نفسه ويجاهد شهوته ولكن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء. فَمَن يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَسْرَحُ صَدرَهُ للإسلام وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلُ صَدرَهُ ضَيِّقاً

حَرَجاً) (1) الآية.

فالدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وأطعمتها إنما هي أدوية المقصود بها التقوي على

(1) سورة الأنعام الآية: 125.