الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٠340
قنطرة الخلق
[1/ 396]
الباب الرابع
في حق الجوار
اعلم أن الله تعالى خلق بني آدم محتاجين، وفطرهم عاجزين، ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز، يمنعانهم من طغيان الغنى وبغي القدرة لأن الطغيان مركوز في طبائعهم إذا استغنوا، والبغي مستول عليهم إذا قدروا.
وقد أخبرنا الله تعالى بذلك فقال: كَلاً إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَن راه أَسْتَغْنَى). ثم ليكون ذلك أقوى الأمور شاهداً على نقصانهم وأوضحها دليلاً على عجزهم. وأنشد لابن الرومي: / عيرتني بالنقص والنقص شامل ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل وأشهد أني ناقص غير أنني إذا قيس بي قوم كثير تقلل تفاضل هذا الخلق بالدين والحجي ففي أيما هذين أنت مفضل
لبقاء نسله
ولو منح الله الكمال ابن آدم لخلده والله ما شاء يفعل ثم جعل الله الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان حتى افتقر إلى الاجتماع مع جنسه ثم لا يكفيه ذلك ما لم يجتمع مع طائفة يتكفل كل واحد منهم بصناعة، ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذوا بالحر والبرد واللصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ينفرد فيها كل واحد منهم بأهله وآلات صناعته فاضطروا إلى المواساة والتعاون بالقوى والآلات والتناصر على الأعداء ودفع أصناف الأذى، فاقتضى الجوار بينهم حقوقاً من المواساة، فضلاً عن كف الأذى والمضرات، إذ لو لم يتواسوا ويتعاونوا لصاروا بمنزلة أصحاب القبور وبمثابة الوحوش والطيور، ولذلك أكد الشرع حق الجوار فضلاً عن حق الإسلام والنسب.
فصل
قال الله تعالى: (وَبِذِي الْقُرْبَى. إلى قوله: (وَالجَارِ الْجُنُبِ (1).
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الجيران ثلاثة؛ جار له حق واحد وجار له حقان
(2)
وجار له ثلاثة حقوق فهو الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام وحق [1/ 397] القرابة، وأما الجار الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق / الإسلام وأما الجار الذي
(1) سورة النساء الآية: 36.
(2) جاءت بالأصل هكذا وجاءت في الإحياء فهو».