الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٠350
قنطرة الخلق
فصل
اعلم أن المؤاخاة في الناس قد تكون من وجهين:
أحدهما: أخوة مكتسبة بالاتفاق الذي يجري مجرى الاضطرار.
والثاني: أخوة مكتسبة بالقصد والاختيار.
فأما المكتسبة بالاتفاق فهي أوكد حالاً؛ لأنها تنعقد على أسباب يقودها إليها الطبع ثم في غاية أحواله إلى سبع مراتب:
فأول أسباب الإخاء التجانس في حالة يجتمعان فيها ويتألفان بها.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أن النبي الله قال: «الأرواح أجناد مجندة
[407 / ب] ما تعارف منها إئتلف وما تناكر منها / اختلف (1).
فإن قوي التجانس قوي الائتلاف وإن ضعف كان به ضعيفاً ما لم يحدث عقداً دينياً. فإذا
عدم التجانس من وجه انتفى التشاكل من كل وجه.
وقد قيل في منثور الحكم الأضداد لا تتفق والأشكال لا تفترق. وينشد:
ت قولا فيه إنصاف ساس أشك ال وآلاف
وقائل لم تفرقتما فقل لم يكن من شكلي ففارقته والن فثبت في التجانس وإن تنوع أصل الإخاء وقاعدة للائتلاف وهذا واضح. وينشد: فلا تحقرن وأنت خليلها وكل إمرء يصبو إلى من يجانس
وقال آخر:
فقلت أخي فقالوا أخ من قرابته فقلت لهم إن الشكول أقاربي نسيبي في رأيي وعزمي وهمتي وإن فرقتنا في الأصول المناسب ويقال: لا تجالس إلا من تجانس، ولا تواكل إلا من تشاكل، ولا تماشي إلا من تواتي. ثم قد يحدث التجانس المواصلة بين المتجانسين وهي الرتبة الثانية من رتب الإخاء وسبب المواصلة بينهما وجود الاتفاق؛ لأن عدم الاتفاق منفر ولذلك قيل كما لا تثبت المكاتبة على الماء كذلك لا تثبت المحبة في قلب من خالفته. وينشد:
(1) قال الحافظ العراقي في المغنى رواه مسلم من حديث أبي هريرة والبخاري من حديث عائشة.