الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٥١351
تقنطرة الخلق
الناس إن وافقتهم عذبوا أولاً فإن جفاهم مـ من رياض لا أنيس بها تركت لأن طريقها وعر
ثم تحدث عن المواصلة رتبة ثالثة: وهي المؤانسة وسببها الانبساط، ثم تحدث عن المؤانسة رتبة رابعة: وهي المصافاة وسببها خلوص، النية، ثم تحدث عن المصافاة رتبة خامسة: وهي المودة وسببها الثقة، وهذه الرتبة أدنى الكمال في أحوال الإخاء وما قبلها أسباب [1/ 408]
هي
تقود إليها، فإن اقترن بها المعاضدة فهي المصداقة، ثم تحدث عن المودة رتبة سادسة: وهي المحبة وسببها الاستحسان وإن كان الاستحسان لفضائل النفس حدثت منه رتبة سابعة: وهي الإعظام وإن كان الاستحسان للصورة والحركة حدثت منه رتبة ثامنة: وهي العشق وسببها الطمع. قال المأمون:
أول العشق مزاح وولع
ثم
زداد إذا زاد الطمع
كل من يهو وإن عالت به رتبة الملك لمن يهوى تبع
وهذه الرتبة هي آخر الرتب المحمودة وليس لمن جاوزها رتبة مقدرة، ولا حال محدود، لأنها قد تؤول إلى ممزاجة النفوس وإن تميزت، ذواتها وتفضي إلى مخالطة الأرواح وإن تفرقت أجسادها وهذه حالة لا يمكن حصر غايتها ولا الوقوف على نهايتها.
وقد قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك. ومثل هذا القول يحكى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنه لما ولى أقطع طلحة بن عبد الله أرضاً وكتب له كتباً وأشهد فيه ناساً من عمر فأتى طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه فامتنع عليه، فرجع طلحة مغضباً إلى أبي بكر فقال: والله لا أدري الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: بل عمر لكنه أنا.
وأما الأخوة المكتسبة بالقصد فلا بد من داع يدعو إليها وباعث يبعث عليها، وذلك من
وجهين: رغبة وفاقة.
أما الرغبة: فهي أن تظهر من الإنسان فضائل تبعث على إخائه ويتوسم بجميل يدعو إلى إصطفائه، وهذه الحالة أقوى من التي بعدها / لظهور الصفات المطلوبة من غير تكلف لطلبها، [1/ 409] وإنما يخاف عليها من الاغترار بالتصنع فليس كل من أظهر الخير كان أهله، من ولا كل من
يخلق بالحسن كان من طبعه والتكلف للشيء مناف له، إلا أن عليه مستحسناً له
العقل، ومتديناً به في الشرع، فيصير الطبع له فيه طباعاً، والتكلف له.
يدوم
هوى
مطاعاً.
في