الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٣قنطرة الخلق
لنيراكم.
363
غذرنا النخل في إبداء شوكه ترد به الأنامل عن جنا فما للعوسج المذموم أبدى لنا شوكاً بلا ثمر نراها وأما الفرق بين المداراة والمداهنة. فالمداراة: مأمور بها لدفع شر الأشرار، وتألفهم لجر المنافع وكفاية العار وطلب الثأر. كما قيل عن أبي عبيدة مسلماً رحمه الله: لا تكرهوا غوغاكم فإنها مسدة لمياهكم ومطفية
وعن عمرو بن العاص أنه قال: أكرموا سفهاءكم فانهم يكفونكم العار والنار. وقيل لا يستقيم هذا الدين إلا بالفقهاء والسفهاء والسيوف. فالمداراة معناها مخالفة الناس على أخلاقهم على وجه يسلم لك دينك.
وقد روي عن بعض الأنبياء عليهم السلام أنه قال: يا رب دلني على عمل يحبني به الناس وأسلم فيما بيني وبينك. قال: خالق الناس على أخلاقهم فأهل الدنيا بأخلاق الدنيا وأهل الآخرة بأخلاق الآخرة. فإذا سقمت المداراة صارت مداهنة والمداهنة معناها مداراة الناس على وجه يذهب فيه دينك كما قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدهنُ فَيُدهِنُونَ (1).
(1)
ويقال سبب نزول هذه الآية أن قريشاً قالوا: يا محمد أعبد الهتنا سنة نؤمن بك فأبى، فقالوا: فشهراً فأبى، فقالوا: فيوما، فأبى فقالوا: فساعة فأبى قالوا فاستلمها بيدك نؤمن بك فتوقف عليه السلام وطمع إن فعل أن يؤمنوا فنزلت الآية وقيل له: لَوْلا أَن تَبَتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت تركن إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (2) الخ الآية / وهذا اختلط على أكثر الناس فداهنوا وهم يحسبون أنهم [1/ 424] يدارون. وقال الإمام الخضري:
لم يرض أولنا قدما مداهنة وفي دينهم وكذا لم يرضى آخرنا فليس الإنسان وإن كان مأمور بتألف الأعداء ومداراتهم فلا ينبغي أن يكون إليهم راكناً، ولا بهم واثقاً، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرز، فإن العداوة إذا إستحكمت في الطباع صارت طبعاً لا تستحيل ولا تزول، فإنما يستدفع بالتآلف إظهارها، كالنار يستدفع بالماء إحراقها ويستفاد به إنضاجها وإن كانت محرقة بطبع لا يزول ولا يتغير وقد قال بعض
الشعراء:
(1) سورة القلم: الآية 9. سورة الإسراء: 1: الآية 74.
(2)