الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٥قنطرة الخلق
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فلا أرى للمضطر إلا ركوبها ويحكى عن بعض الماضيين أنه قال: خرجنا حجاجاً فلما ضربنا ببعض المناهل غشينا فقراء البادية من كل جانب وجعلت جارية منهم تتخطى الرقاب وتسأل بلسان أعذب. الماء من وأرق من الهون قال: فقمت إليها فنظرت إلى وجه بملأ العيون حسناً فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم. فلما وقفت على رحلنا قلت لها: يا جارية أيحل لك أظهار هذا الوجه في مثل هذا الموقف؟ فلطمت وجهها لطماً رفيقاً وقالت:
قد صنته وحجبته حتى إذا لم يبق لي طمع ومات الهيثم أبرزته من خدره مقهورة والله يشهد لي بذاك ويعلم كشف الزمان قناعه في بلدة قل الصديق بها وعز الدرهم ويعز ذاك علي إلا أنه زمن يجور كما تراه ويظلم قال: فقلت لها: من أنت؟ قالت بنت الهيثم الشيباني توفي وبقيت في حال الله به عليم. قاله: فأعطيتها بعض ما كان عندي من النفقة. ويقال: لو علم المسؤول ما عليه لأعطى حتى لا يمسك شيئاً.
وينبغي للسائل المضطر أن يتخير من المسؤولين من يرجو عنده نجح حاجته وإدراك [438/ب] بغيته، وفي الحديث: اطلبو الحوائج إلى حسان الوجوه.
وقيل للحسن وهو من نقلة هذ الحديث يعني صباح الوجوه فقال: إنما يعني البشر والتهلل في الوجوه عند قضاء الحوائج.
ويروي
أن سائلاً سأل مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى تصدق بشيء علي فدخل مالك
بيته فلم يجد إلا شيئاً من التمر فناوله إيّاه. فقال: يا أبا يحيى رضي الله عنك وأعتقك من النار. فقال: إلي تقول؟ فقال: أنتم فدخل بيته فلم يجد إلا قطيفة كان يلبسها في الشتاء ويفترشها في الصيف فناوله إياها فقال له: يا أبا يحيى رضي عنك وأعتقك من النار. فقال: إلي تقول هذا؟ فقال: نعم. فنزع عمامته من على رأسه فناوله إياها فقال السائل: يا أبا يحيى الله عنك وأعتقك من النار. فقال: يا هذا لم يبق معي شيء فخذ بيدي وأدخلني السوق فبعني بأي ثمن شئت فانصرف السائل عنه وعن عيسى عليه السلام أنه قال: من رد سائلاً لم تغش الملائكة بيته سبعة أيام.
رضي
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يناول المسكين بيده. ويقال: إن الله وجوهاً في خلقه