قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٠

380

قنطرة الخلق

خير

وقال بعض العلماء: إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة أنسه بالوحدة وأغناه بالقنوع وبصره عيب نفسه فمن أعطي ذلك فقد أعطي الدنيا والآخرة. ويقال: مكتوب في الإنجيل من اعتزل الناس نجا، وروي عن ذي النون المصري أنه قال: وصف لي عابد في الجبل فدخلت فيه أطلبه لأعرف مكانه الذي يأوى إليه فبينما أنا في بعض الليل إذ سمعت صوتاً ينادي يا من بيده ملكوت كل شيء يا من هو بالنفوس عليم قد طال شوقي إلى لقائك. فاتبعت الصوت فإذا أنا به في وسط شجر ملتف فلما بصر بي فزع مني [1/ 445) فقال لي: يا هذا من أنت؟ فقد أفزعتني. فقلت: من هرب إلى الله لا يفزعه / آدمي. فقال: لم أفزع منك لأنك آدمي ولكن كل من جهز جهازاً خاف على جهازه. قلت: وما جهزت فتخاف عليه؟ قال: جهزت بدني أطلب به ربحاً من سيدي وكان خوفي منك من فتنك. قال وقلت: وما رأيت من فتني؟ قال: لأن بني آدم لصوص القلوب إلا من عصمه الله. قلت: إنما أتيتك أستهديك الطريق قال: بالعقل تدرك ما تريد قلت وما العقل؟ قال: الصدق والحلم

والمبادرة.

وروي عن عروة بن الزبير أنه خرج من المدينة ونزل العقيق، فقالوا له في ذلك فقال لهم فررت منكم. قالوا ولم؟ قال: رأيت مساجدكم لاغية وأسواقكم لاهية والفواحش في حواشيكم بادية خوفت أن ينزل بلاء بكم فيصيبي معكم.

وروي عن إبراهيم بن عبد الله أنه قال: قيل للحسن البصري يا أبا سعيد هاهنا رجل لم نره قط إلا جالساً وحده خلف سارية. فقال الحسن: إذا رأيتموه فأخبروني به. فنظر إليه ذات

يوم فقالوا للحسن: هذا الذي أخبرناك به وأشاروا إليه فمضى إليه الحسن. فقال: يا عبد الله

قد

حببت إليك العزلة فما منعك مخالطة من الناس؟ فقال: أمر شغلني عن الناس. قال: فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه؟ قال: أمر شغلني عن الناس وعن الحسن. قال له الحسن: وما ذلك الشغل يرحمك الله؟ قال: إني أصبح وأمسي بين ذنب ونعمة فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار عن الذنب وأشكر الله على النعمة. قال له 1/ 446] الحسن: يا عبد الله أنت من الحسن فالزم ما أنت / فيه. وينشد في العزلة:

عندي أفقه.

إذا ما كنت في زمن عبوس وفي ناس من البشر الخسيس لزمت البيت مصطبراً كأني أخوة قبر دفنت بلا أنيس

وينبغي لمن طلب السلامة أن يعتزل الناس وينفرد عنهم وذلك لأمرين.