قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨١

قنطرة الخلق

381

أحدهما: أنهم يشغلونه عن عبادة ربه عز وجل، بل يمنعونه منها، بل يوقعونه في الشر والهلاك. على ما روي عن حاتم الأصم أنه قال: طلبت من هذا الخلاق خمسة أشياء فلم أجدها؛ طلبت منهم الطاعة والزهدة فلم يفعلوا، فقلت أعينوني عليها إن لم تفعلوا فلم يفعلوا، فقلت: ارضوا عني إن فعلت فلم يفعلوا فقلت: لا تمنعوني عنها إذاً فمنعوني، فقلت لا تدعوني إلى ما لا يرضى الله ولا تعادوني عليها إن لم أتابعكم ففعلوا فتركتهم وأشتغلت بخاصتي. وقد ذكر عن سفيان الثوري أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة في هذا الزمان.

ففي كتاب الغزالي قال: ولئن حلت في زمانه ففي زماننا هذا وجبت وافترضت وفي مثل زماننا هذا يقول الشاعر:

هَذَا الزمان الذي كُنا نُحَاذِرَه في قول كعب وفي قول ابن مسعود قدماً تحدث من أكوانه عجباً حتى وقفنا على تلك المواعيد دهر به الخير مفقود بِأَجْمَعِهِ والشر والجُور فِيهِ غَيرُ مَفْقُودٍ / إن دام هذا ولم يحدث له غير لَمْ نَبِّكِ مَيْتاً ولم نَفَرحُ بِمَوْلُودِ والأمر الثاني: الذي يطلب من أجله التفرد عن الناس أن الناس يفسدون عليك ما يحصل من العبادة إن لم يعصمك الله تعالى، بسبب ما يعرض من قبلهم من دواعي الرياء والتزين. ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال: رؤية الناس بساط الرياء.

وهؤلاء الزهاد قد خافوا على أنفسهم. من هذا المعنى حتى تركوا الملاقاة والتزاور. وقد ذكر عن هرم بن حيان أنه قال لأويس القرني رضي الله عنه: يا أويس صلنا بالزيارة واللقاء. قال أويس: قد وصلتك بما هو أنفعك لك منها بدعاء على ظهر الغيب.

وعن داود الطائي أنه قال: صم عن الدنيا وأجعل فطرك الموت، وفر من الناس فرارك من الأسد. ولقد حكى عن بعض العلماء أنه جلس مع بعض العارفين فتذاكرا ملياً ثم دعوا في آخر حديثهما فقال العالم للعارف: ما أظن أني جلست مجلساً أنا أرجى له من مجلسي هذا فقال له العارف لكني أنا جلست مجلساً أخوف منه من مجلسي هذا ألست تعمد إلي أحسن حديثك علومك فتنشرها وتظهرها بين يدي وأنا كذلك؟ فقد وقع الرياء. قال: فبكى العالم حتى غشى عليه وكان بعد ذلك يتمثل بهذين البيتين:

يا ويلتي من موقف مابه

أخوف من أن يعدل الحاكم

[447/ب]