قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٢

382

قنطرة الخلق

يا رب عفواً منك عن مذنب أسرف إلا أنه نادم فهذه أهل الزهد والرياضة في ملاقاتهم، فكيف حال أهل الرغبة والبطالة؟ بل حال أهل النشرة والجهالة واعلم أن الزمان قد أصبح في فساد عظيم، وأصبح أهله في ضرر كبير وضلال جسيم، فاحترز منهم جهدك، فأنهم يشغلونك عن طاعة الله حتى لا يكاد يحصل لك منها شيء، ثم يفسدون عليك ما حصل حتى لا يكاد يسلم لك منها شيء فلزمتك العزلة عنهم والاستعاذة بالله من شر هذا الزمان وأهله.

وقد ورد في الحديث: يأتي على الناس زمان يكون الناس فيه ذئاباً فمن كان ذئباً أكل مع الذئاب ومن لم يكن ذئباً أكلته الذئاب.

وفي الحديث أيضاً.

عنه عليه السلام أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يسلم فيه لذي

دين دينه إلا من يعز بدينه من قرية إلى قرية ومن جحر إلى حجر يفر ويروغ كما يروغ الثعلب». قيل: يا رسول الله متى ذلك؟ قال: «إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله عز وجل فإذا

كان ذلك الزمان فقد حلت فيه العزوبة والعزلة «الغربة.

قيل: وكيف وقد أمرتنا بالتزويج؟ قال: إذا كان ذلك الزمان يكون فيه هلاك الرجل على يد أبويه فإن لم يكونا فعلى يد قرابته فإن لم تكن فعلى يد زوجته. قيل: فكيف ذلك؟ قال: «يعيرونه بضيق ذات اليد فيتكلف من الأمور ما لا يطيقه فيورده

ذلك موارد الهلاك (1).

وفي الحديث أيضاً: «يأتي على الناس زمان يخرج الرجل من بيته / ومعه دينه ويرجع وليس معه شيء». والله أعلم. فإن قيل ما حكم العزلة والحد الذي يجب منها؟ قيل له: قد ذكر في أثر بعض العلماء أنه قال: الناس في ذلك رجلان رجل لا حاجة بالخلق إليه في علم و بيان حكم، فالأولى لهذا الرجل التفرد عن الناس فلا يخالطهم إلا في جمعة أو جماعة أو عيد أو حج أو زيارة أو إقامة حق ميت أو مجلس علم بالسنة أو حاجة في معيشة لا بد له من ذلك، وإلا فيوارى شخصه ويلزم بيته لا يعرف ولا يعرف، وأما إن أحب هذا الرجل أن ينقطع عن الناس ولا يخالطهم في أمر من الأمور البتة من دين ودنيا وجماعة وجمعة وغيرها، لما رأى في من مصلحته فإنه لا يسعه ذلك إلا بأحد أمرين:

ذلك

(1) ذكرها الحافظ العراقي في المغني وقال: رواه الخطابي في العزلة من حديثه وحديث ابن مسعود نحوه والبيهقي في الزهد نحوه من حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف وذكره الحافظ العراقي في النكاح والعزلة.

[1/ 448]

[1/ 449]