الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٣قنطرة الخلق
383
هذه
الأمر الأول: إما أن يصير إلى موضع لا تلزمه هناك هذه الفروض كرؤوس الجبل وبطون الأودية ونحوها، ولعل من أحد الوجوه التي دلت العباد على تلك المواضع البعيدة عن الناس. والأمر الثاني: أن يتيقن بالحقيقة أن الضرر الذي لحقه في. مخالطة الناس بسبب الفروض أعظم من تركها محينئذ ربما يكون له عذراً. قال ولقد رأيت أنا بمكة ـ حرسها الله - بعض الشيوخ المتفردين من أهل العلم وهؤلاء يحضر الجماعة في المسجد الحرام مع قربه منه وسلامة حاله فحاورته في ذلك فذكر من عذره ما أشرنا إليه وهو أن ما يجده من الثواب لا يفيء بما يلحقه من الآثام والتباعات في الخروج إلى المسجد ولقاء الناس.
قال: وجملة الأمر: فلا عتب على المعذور والله تعالى أولى بالعذر وهو عليم بذات / الصدور. ولكن الطريق العدل هو الأول بأن يشارك الناس في الجمعة والجماعة وصنوف [450/ب] الخيرات، ويبانهم فيما سوى ذلك، فإن أحب الطريق الثاني بأن ينقطع عن الناس بمرة فسبيله الخروج إلى مواضع لا تتوجه إليه هذه الفروض هنالك، لأن كونه مع الناس في مصر واحد لا يحضر جمعة ولا جماعة لعذر يداه في ذلك من وزر أو تباعة فإنه يحتاج إلى نظر دقيق وعلم لا يسقط عنه ذلك فيه خطر الغلط والأولان أسلم وأحفظ والله ولي الهداية بمنه.
غامض حتى
وأما الرجل الثاني: فرجل يكون قدوة في العلم بحيث يحتاج الناس إليه في أمر دينهم لبيان حق، أو رد على مبتدع أودعوة إلى خير بفعل أو قول أو نحو ذلك فلا يسع هذا الرجل الاعتزال عن الناس بل ينصب نفسه بينهم ناصحاً لخلق الله تعالى، ذاباً على دين الله مبيتاً
لأحكام الله. وقد روي عن رسول الله لو أنه قال: إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَكْتِمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى. وإلى قوله: وَتِلْعَنهُمُ اللأَعِنُونَ (1).
هذا إذا كان بينهم وإذا خرج بينهم فلا يجوز له أيضاً. وذكر أن بعض العلماء قصد أن ينفرد عن الخلق لعبادة الله تعالى فبينما هو في الجبال إذا سمع صوتاً ينادي: يا فلان إذا صرت الله على خلقه تركت عبادة الله فرجع فكان هذا سبب صحبته الخلق. قال: واعلم أن
من حجج
(1) سورة البقرة الآية: 159.