قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٤

384

قنطرة الخلق

[1/ 451] مثل هذا الرجل المحتاج إليه في باب الدين يحتاج في صحبته / الخلق إلى أمرين شديدين: أحدهما: طويل وحلم عظيم ونظر لطيف واستعاذة دائمة. صبر

[1/ 452]

والثاني: أن يكون في هذا منفرداً عنهم وإن كان بالشخص معهم، فإن كلموه كلمهم وإن زاوره عظمهم على قدرهم وشكرهم وإن سكتوا عنه وأعرضوا استغنم ذلك منهم، وإن كانوا في حق وفي خير ساعدهم وإن صاروا إلى لغو وشرٍ خالفهم وهاجرهم بل رد عليهم وزجرهم، إن رجا قبولهم ثم يقوم بجميع حقوقهم من الزيارة والعيادات وقضاء الحاجات التي ترفع إليه ما أمكنه، ولا يطالبهم بالمكافأت ولا ذلك منهم ولا يريهم من نفسه استيحاشاً يرجو لذلك ويباسطهم بالقول إن قدر وينقبض عنهم في الأخذ إن أعطى، ويتحمل منهم ويظهر لهم البشر ويتجمل بظاهره لهم ويكتم حاجته عنهم ويقاسيها في سره وباطنه، ثم يحتاج ذلك أن ينظر لنفسه خاصة ويجعل لها حظاً من العبادات الخالصة، كما قال عمر بن الخطاب: إن نمت الليل لأضيعن نفسي وإن نمت النهار لأضيعن الرعية فكيف لي بالنوم مع

هاتين.

قال: وفي مثل هذا المعنى عرضت لي أبيات من الشعر وهي:

الأذى

فإن كنت في هدى الأئمة راغباً فوطن على أن ترتكبك الوقائع بنفس وقور عند كل كريهة وقلب صبور وهو في الصدور مانع لسانك مخزوم وطرفك ملجم وسرك مكتوم لدى الرب ذائع / وذكرك معمور وبابك مغلق وثغرك بسام وبطنك جائع وقلبك مجروج وسوقك كاسد وفضلك مدفون وظنُّك شائع وفي كل يوم أنت جارع غصة من الدهر والإخوان والقلب طائع فدونك هذا العلم خذه ذريعة ليوم عبوس عز فيه الذرائع نعم فالنفس معهم والقلب ما أبعده عنهم وذلك لعمري أمر شديد وعيش نكيد وفيه يقول بعض العلماء في وصيته يا بني عش مع أهل زمانك ولا تقتدِ بهم ثم قال: ما أشد هذا العيش مع الأحياء والاقتداء بالأموات.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خالط الناس وزائلهم ودينك لا تكلمنه، وقال أيضاً: كن كابن لبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب فهذه نكثة مقنعة، قال ثم أقول: إذا هاج الفتن بعضها في بعض، وتراجع الأمر، فتولى الناس عن أمر الدين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا يطلبون عالماً، ولا يعنهم أمر دينهم البتة، وترى الفتنة تعم الناس، وتدب بين