الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٤قنطرة العلم
[68/ب] الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى / الأخلاق المحمودة السعيدة المنجية وهو المراد بالعلم. قال: وإنما قلنا إن هذا شرف من سائر الصناعات لأن شرف الصناعات يدرك بثلاثة أمور. إما بالإلتفات إلى غريزة العقل التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العلوم العقلية على اللغوية. إذ تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع والعقل أشرف من السمع.
[69/ب]
"
وأما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة، إذ محل أحدها الذهب ومحل الآخر الميتة.
وليس يخفى أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما يدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان؛ إذ به قبل العبد أمانة الله عز وجل، وبه يصل إلى جوار الله سبحانه وأما عموم النفع فلا يستراب فيه، إذ ثمرة منفعته سعادة الآخرة.
وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنسان وأشرف جزء من شخص الإنسان قلبه، والمعلم مشتغل بتكميله وتحليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من جوار الله سبحانه فتعليم العلم من وجه عبادة الله تعالى، ومن وجه خلافة الله عز وجل وهو أجل خلائفه؛ لأن الله سبحانه قد فتح على قلب العالم خزانة العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن لأنفس خزائنه ثم هو مأذون في الإنفاق على كل محتاج إليه (1).
فأي رتبة أجلُّ من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين كل خلقه في تقريبهم إلى الله
عز وجل وسياقتهم إلى جنة المأوى. وبالله التوفيق.
الباب الثالث
في فرض العين
اعلم أن كل العلوم شريفة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها محال / ولذلك قال النبي عليه السلام من ظن أن العلم غاية بخسه حظه ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله تعالى بها حيث يقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً) (2)).
(1) راجع إحياء علوم الدين (13/ 1، 14) بتصرف يسير.
(2) سورة الإسراء الآية: 85.